فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض . ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب .
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة . وفيه دليل على البعث والنشور . وفي خلق الإنسان من تراب ، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة . وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين .
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة . وفيهما من نعم اللّه على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان .
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة . وفيهما على التقدير والتدبير دليل . وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب .
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح . وهذا هو اللّه خالقها ومالكها . والذين يدعون من دون اللّه ما يملكون من قطمير . ولا يسمعون ولا يستجيبون . ويوم القيامة يتبرءون من عبادهم الضلال .
فما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟
« وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ، فَتُثِيرُ سَحاباً ، فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . كَذلِكَ النُّشُورُ »
. .
وهذا المشهد يتردد في معرض دلائل الإيمان الكونية في القرآن . مشهد الرياح ، تثير السحب ؛ تثيرها من البحار ، فالرياح الساخنة هي المثيرة للبخار ؛ والرياح الباردة هي المكثفة له حتى يصير سحابا ؛ ثم يسوق اللّه هذا السحاب بالتيارات الهوائية في طبقات الجو المختلفة ، فتذهب يمينا وشمالا إلى حيث يريد اللّه لها أن تذهب ، وإلى حيث يسخرها ويسخر مثيراتها من الرياح والتيارات ، حتى تصل إلى حيث يريد لها أن تصل . .
إلى بلد ميت . . مقدر في علم اللّه أن تدب فيه الحياة بهذا السحاب . والماء حياة كل شيء في هذه الأرض .
« فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها »
. . وتتم الخارقة التي تحدث في كل لحظة والناس في غفلة عن العجب العاجب فيها . وهم مع وقوع هذه الخارقة في كل لحظة يستبعدون النشور في الآخرة . وهو يقع بين أيديهم في الدنيا . .
« كَذلِكَ النُّشُورُ »
. . في بساطة ويسر ، وبلا تعقيد ولا جدل بعيد ! هذا المشهد يتردد في معرض دلائل الإيمان الكونية في القرآن لأنه دليل واقعي ملموس ، لا سبيل إلى المكابرة فيه . ولأنه من جانب آخر يهز القلوب حقا حين تتملاه وهي يقظى ؛ ويلمس المشاعر لمسا موحيا حين تتجه إلى تأمله . وهو مشهد بهيج جميل مثير . وبخاصة في الصحراء حيث يمر عليها الإنسان اليوم وهي محل جدب جرداء . ثم يمر عليها غدا وهي ممرعة خضراء من آثار الماء . والقرآن يتخذ موحياته من مألوف البشر المتاح لهم ، مما يمرون عليه غافلين . وهو معجز معجب حين تتملاه البصائر والعيون .
ومن مشهد الحياة النابضة في الموات ينتقل نقلة عجيبة - شيئا - إلى معنى نفسي ومطلب شعوري .
ينتقل إلى معنى العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء . ويربط هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد إلى اللّه والعمل الصالح الذي يرفعه اللّه . كما يعرض الصفحة المقابلة . صفحة التدبير السيّئ والمكر الخبيث ، وهو يهلك ويبور :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ