تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2921

مساهمون:

ص٢٩٢١
والحديث في هذه السورة يتردد حول الرسل والوحي وما أنزل اللّه من الحق . . والملائكة هم رسل اللّه بالوحي إلى من يختاره من عباده في الأرض . وهذه الرسالة هي أعظم شيء وأجله . ومن ثم يذكر اللّه الملائكة بصفتهم رسلا عقب ذكره لخلق السماوات والأرض . وهم صلة ما بين السماء والأرض . وهم يقومون بين فاطر السماوات والأرض ، وأنبيائه ورسله إلى الخلق بأعظم وظيفة وأجلها . ولأول مرة - فيما مر بنا من القرآن في هذه الظلال - نجد وصفا للملائكة يختص بهيئتهم . وقد ورد وصفهم من قبل من ناحية طبيعتهم ووظيفتهم ، مثل قوله تعالى :
« وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
« 1 »
»
. . وقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
« 2 »
»
. . أما هنا فنجد شيئا يختص بتكوينهم الخلقي :
« أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ »
. . وهو وصف لا يمثلهم للتصور . لأننا لا نعرف كيف هم ولا كيف أجنحتهم هذه . ولا نملك إلا الوقوف عند هذا الوصف ، دون تصور معين له . فكل تصور قد يخطئ . ولم يرد إلينا وصف محدد للشكل والهيئة من طريق معتمد . والذي ورد في القرآن هو هذا ؛ وهو قوله تعالى في وصف جهنم :
« عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 3 »
»
. . وهو كذلك لا يحدد شكلا ولا هيئة . والذي ورد في الأثر : « أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - رأى جبريل في صورته مرتين » وفي رواية : « له ستمائة جناح « 4 » » . . وهو كذلك لا يعين شكلا ولا هيئة . فالأمر إذن مطلق . والعلم للّه وحده في هذه الغيبيات . وبمناسبة ذكر الأجنحة مثنى وثلاث ورباع . حيث لا يعرف الإنسان إلا شكل الجناحين للطائر . يذكر أن اللّه
« يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ »
. . فيقرر طلاقة المشيئة ، وعدم تقيدها بشكل من أشكال الخلق . . وفيما نشهده نحن ونعلمه أشكال لا تحصى من الخلق . ووراء ما نعلم أكثر وأكثر . .
« إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . وهذا التعقيب أوسع من سابقه وأشمل . فلا تبقى وراءه صورة لا يتناولها مدلوله ، من صور الخلق والإنشاء والتغيير والتبديل .
« ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . في هذه الآية الثانية من السورة صورة من صور قدرة اللّه التي ختم بها الآية الأولى . وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعا . إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة اللّه . وتيأسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة اللّه . وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض وتفتح أمامه باب اللّه . وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض وتشرع له طريقه إلى اللّه . ورحمة اللّه تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد ؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه ، وتكريمه بما كرمه ؛ وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته ؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء . آية : 19 - 20 . ( 2 ) سورة الأعراف . آية : 206 . ( 3 ) سورة التحريم . آية : 6 . ( 4 ) متفق عليه من رواية ابن مسعود .