تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2501

مساهمون:

ص٢٥٠١
التجربة ، وضريبة الابتلاء ، الواجبة الأداء ! أما الذين خاضوا في الإفك ، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة :
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ »
. . ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند اللّه . وبئس ما اكتسبوه ، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى :
« وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ »
يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم . والذي تولى كبره ، وقاد حملته ، واضطلع منه بالنصيب الأوفى ، كان هو عبد اللّه بن أبي بن سلول . رأس النفاق ، وحامل لواء الكيد . ولقد عرف كيف يختار مقتلا ، لولا أن اللّه كان من ورائه محيطا ، وكان لدينه حافظا ، ولرسوله عاصما ، وللجماعة المسلمة راعيا . . ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال : من هذه ؟ فقالوا : عائشة رضي اللّه عنها . . فقال : واللّه ما نجت منه ولا نجا منها . وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ؛ ثم جاء يقودها ! وهي قولة خبيثة راح يذيعها - عن طريق عصبة النفاق - بوسائل ملتوية . بلغ من خبثها أن تموج المدينة بالفرية التي لا تصدق ، والتي تكذبها القرائن كلها . وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين . وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهرا كاملا . وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى . وإن الإنسان ليدهش - حتى اليوم - كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حينذاك . وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة ، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق . لقد كانت معركة خاضها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك . وخاضها الإسلام . معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وخرج منها منتصرا كاظما لآلامه الكبار ، محتفظا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره . فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله . والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته . والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه . ولو استشار كل مسلم قلبه يومها لأفتاه ؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه . والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور ، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها :
« لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ، وَقالُوا : هذا إِفْكٌ مُبِينٌ »
. . نعم كان هذا هو الأولى . . أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا . وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحمأة . . وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم . فظن الخير بهما أولى . فإن ما لا يليق بهم لا يليق بزوج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيرا . . كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته - رضي اللّه عنهما - كما روى الإمام محمد ابن إسحاق : أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة - رضي اللّه عنها ؟ - قال : نعم . وذلك الكذب . أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا واللّه ما كنت لأفعله . قال : فعائشة واللّه خير منك . . ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : « الكشاف » أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب : ألا ترين ما يقال ؟ فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سوءا ؟ قال : لا . قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة - رضي اللّه عنها -
في ظلال القرآن — صفحة 2501 | سيد قطب