تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2498

مساهمون:

ص٢٤٩٨
وهكذا عاش رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأهل بيته . وعاش أبو بكر - رضي اللّه عنه - وأهل بيته . وعاش صفوان بن المعطل . وعاش المسلمون جميعا هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق ، وفي ظل تلك الآلام الهائلة ، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه تلك الآيات . وإن الإنسان ليقف متململا أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجه المقربة . وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة . تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيفة . فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة . ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها ، ونظافة تصوراتها . ها هي ذي ترمى في أعز ما تعتز به . ترمى في شرفها . وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع . وترمى في أمانتها . وهي زوج محمد بن عبد اللّه من ذروة بني هاشم . وترمى في وفائها . وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير . . ثم ترمى في إيمانها . وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام ، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة . وهي زوج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم . ها هي ذي ترمى ، وهي بريئة غارة غافلة ، لا تحتاط لشيء ، ولا تتوقع شيئا ؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب اللّه ، وتترقب أن يرى رسول اللّه رؤيا ، تبرئها مما رميت به . ولكن الوحي يتلبث ، لحكمة يريدها اللّه ، شهرا كاملا ؛ وهي في مثل هذا العذاب . ويا للّه لها وهي تفاجأ بالنبإ من أم مسطح . وهي مهدودة من المرض ، فتعاودها الحمى ؛ وهي تقول لأمها في أسى : سبحان اللّه ! وقد تحدث الناس بهذا ؟ وفي رواية أخرى تسأل : وقد علم به أبي ؟ فتجيب أمها : نعم ! فتقول : ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ - فتجيبها أمها كذلك : نعم ! ويا للّه لها ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه ، يقول لها : « أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه تعالى ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه تعالى وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللّه عليه » . . فتعلم أنه شاك فيها ، لا يستيقن من طهارتها ، ولا يقضي في تهمتها . وربه لم يخبره بعد ، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها ؛ فتمسي وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها ، وأحلها في سويدائه ! وها هو ذا أبو بكر الصديق - في وقاره وحساسيته وطيب نفسه - يلذعه الألم ، وهو يرمى في عرضه . في ابنته زوج محمد - صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه ، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل ، لا يطلب دليلا من خارجه . . وإذا الألم يفيض على لسانه ، وهو الصابر المحتسب القوي على الألم ، فيقول : واللّه ما رمينا بهذا في جاهلية . أفنرضى به في الإسلام ؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل . حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة : أجب عني رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال في مرارة هامدة : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم ! وأم رومان - زوج الصديق رضي اللّه عنهما - وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء . المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها . فتقول لها : يا بنية هوني على نفسك الشأن ، فو اللّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . . ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها : أجيبي عني رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فتقول كما قال زوجها من قبل : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم !
في ظلال القرآن — صفحة 2498 | سيد قطب