تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2500

مساهمون:

ص٢٥٠٠
الطاهرة ؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع ؛ ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك ، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم . ولقد قالت عائشة عن هذا القرآن الذي تنزل : « وأنا واللّه أعلم حينئذ أني بريئة ، وأن اللّه تعالى مبرئي ببراءتي . ولكني واللّه ما كنت أظن أن ينزل اللّه تعالى في شأني وحيا يتلى . ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر يتلى . ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني اللّه تعالى بها » . . ولكن الأمر - كما يبدو من ذلك الاستعراض - لم يكن أمر عائشة - رضي اللّه عنها - ولا قاصرا على شخصها . فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ووظيفته في الجماعة يومها . بل تجاوزه إلى صلته بربه ورسالته كلها . وما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها ، إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها . . من أجل ذلك أنزل اللّه القرآن ليفصل في القضية المبتدعة ، ويرد المكيدة المدبرة ، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام ؛ ويكشف عن الحكمة العليا وراء ذلك كله ؛ وما يعلمها إلا اللّه :
« إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ . وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ »
. فهم ليسوا فردا ولا أفرادا ؛ إنما هم « عصبة » متجمعة ذات هدف واحد . ولم يكن عبد اللّه بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق ذلك الإفك . إنما هو الذي تولى معظمه . وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين ، الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهرة ؛ فتواروا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خفية . وكان حديث الإفك إحدى مكائدهم القاتلة . ثم خدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش ؛ وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة . أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة ، وعلى رأسها ابن سلول ، الحذر الماكر ، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة . ولم يقل علانية ما يؤخذ به ، فيقاد إلى الحد . إنما كان يهمس به بين ملئه الذين يطمئن إليهم ، ولا يشهدون عليه . وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهرا كاملا ، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها ! وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث ، وعمق جذوره ، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم . ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد :
« لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ؛ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »
. . خير . فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأهل بيته . وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه اللّه ؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . فهي عندئذ لا تقف عند حد . إنما تمضي صعدا إلى أشرف المقامات ، وتتطاول إلى أعلى الهامات ، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء . وهو خير أن يكشف اللّه للجماعة المسلمة - بهذه المناسبة - عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم . أما الآلام التي عاناها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأهل بيته ، والجماعة المسلمة كلها ، فهي ثمن