تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2503

مساهمون:

ص٢٥٠٣
يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله ؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية ؛ وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل اللّه . وأن تمسوا عصمة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وصلته بربه ، ورعاية اللّه له . .
« وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً »
. .
« وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ »
. . وما يعظم عند اللّه إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي ، وتضج منه الأرض والسماء . ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه ، وأن تتحرج من مجرد النطق به ، وأن تنكر أن يكون هذا موضوعا للحديث ؛ وأن تتوجه إلى اللّه تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا ؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيدا عن ذلك الجو الطاهر الكريم :
« وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ : ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا . سُبْحانَكَ ! هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ »
. . وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزا ؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت . . عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم :
« يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. .
« يَعِظُكُمُ »
. . في أسلوب التربية المؤثر . في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار . مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان :
« يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً »
. . ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة :
« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. . فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف ، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير ، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون :
« وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ »
. . على مثال ما بين في حديث الإفك ، وكشف عما وراءه من كيد ؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف ؛ ويعلم مداخل القلوب ، ومسارب النفوس . وهو حكيم في علاجها ، وتدبير أمرها ، ووضع النظم والحدود التي تصلح بها . . ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك ؛ وما تخلف عنه من آثار ؛ مكررا التحذير من مثله ، مذكرا بفضل اللّه ورحمته ، متوعدا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب اللّه في الآخرة . ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة ؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض ، وإعادة الصفاء إليها والإشراق . . كما تتمثل في موقف أبي بكر - رضي اللّه عنه - من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض :
« إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
. . والذين يرمون المحصنات - وبخاصة أولئك الذين تجرءوا على رمي بيت النبوة الكريم - إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة ؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة ، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها . . بذلك تشيع الفاحشة في النفوس ، لتشيع بعد ذلك في الواقع . من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة . وذلك جانب من منهج التربية ، وإجراء من إجراءات الوقاية . يقوم على خبرة بالنفس البشرية ، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها . . ومن ثم يعقب بقوله :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
. . ومن ذا الذي