تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2504

مساهمون:

ص٢٥٠٤
يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها ؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها ؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن ، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير ؟ ومرة أخرى يذكر المؤمنين بفضل اللّه عليهم ورحمته :
« وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »
. . إن الحديث لعظيم ، وإن الخطأ لجسيم ، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء . ولكن فضل اللّه ورحمته ، ورأفته ورعايته . . ذلك ما وقاهم السوء . . ومن ثم يذكرهم به المرة بعد المرة ؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين . فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكا أن يصيبهم جميعا ، لولا فضل اللّه ورحمته ، صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان . وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم . وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ؛ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ؛ وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه ، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقا غير طريقة المشئوم ! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن ، ويرتجف لها وجدانه ، ويقشعر لها خياله ! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية :
« وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ »
. . وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه . وهو نموذج منفر شنيع . وإن الإنسان لضعيف ، معرض للنزعات ، عرضة للتلوث . إلا أن يدركه فضل اللّه ورحمته . حين يتجه إلى اللّه ، ويسير على نهجه .
« وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً . وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ »
. . فنور اللّه الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه . ولولا فضل اللّه ورحمته لم يزك من أحد ولم يتطهر . واللّه يسمع ويعلم ، فيزكي من يستحق التزكية ، ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد
« وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . وعلى ذكر التزكية والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض - كما يرجون غفران اللّه لما يرتكبونه من أخطاء وذنوب - :
« وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا . أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . نزلت في أبي بكر - رضي اللّه عنه - بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة . وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه . وهو قريبه . وهو من فقراء المهاجرين . وكان أبو بكر - رضي اللّه عنه - ينفق عليه . فآلى على نفسه لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا . نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر ، وتذكر المؤمنين ، بأنهم هم يخطئون ثم يحبون من اللّه أن يغفر لهم . فليأخذوا أنفسهم - بعضهم مع بعض - بهذا الذي يحبونه ، ولا يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه ، إن كانوا قد أخطئوا وأساءوا . .
في ظلال القرآن — صفحة 2504 | سيد قطب