تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2502

مساهمون:

ص٢٥٠٢
ما خنت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فعائشة خير مني ، وصفوان خير منك . . وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه ، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة ، وما نسب إلى رجل من المسلمين : من معصية للّه وخيانة لرسوله ، وارتكاس في حمأة الفاحشة ، لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة ! هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور . خطوة الدليل الباطني الوجداني . فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي :
« لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ! فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ »
. . وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات ، وأطهر الأعراض ، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة ؛ وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بينة ؛ وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل :
« لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ! »
وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن . كاذبون عند اللّه الذي لا يبدل القول لديه ، والذي لا يتغير حكمه ، ولا يتبدل قراره . فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها ، ولا نجاة لهم من عقباها . هاتان الخطوتان : خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير . وخطوة التثبت بالبينة والدليل . . غفل عنهما المؤمنون في حادث الإفك ؛ وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو أمر عظيم لولا لطف اللّه لمس الجماعة كلها البلاء العظيم . فاللّه يحذرهم أن يعودوا لمثله أبدا بعد هذا الدرس الأليم :
« وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ »
. . لقد احتسبها اللّه للجماعة المسلمة الناشئة درسا قاسيا . فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسسهم بعقابه وعذابه . فهي فعلة تستحق العذاب العظيم . العذاب الذي يتناسب مع العذاب الذي سببوه للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عليه إلا خيرا . والعذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع ؛ ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجماعة . والعذاب الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل ، حافل بالقلق والقلقلة والحيرة بلا يقين ! ولكن فضل اللّه تدارك الجماعة الناشئة ، ورحمته شملت المخطئين ، بعد الدرس الأليم . والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام ؛ واختلت فيها المقاييس ، واضطربت فيها القيم ، وضاعت فيها الأصول :
« إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ »
. . وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج ، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام :
« إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ »
. . لسان يتلقى عن لسان ، بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر . حتى لكأن القول لا يمر على الآذان ، ولا تتملاه الرؤوس ، ولا تتدبره القلوب !
« وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ »
. . بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم . إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه ، قبل أن تستقر في المدارك ، وقبل أن تتلقاها العقول . .
« وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً »
أن تقذفوا عرض رسول اللّه ، وأن تدعوا الألم
في ظلال القرآن — صفحة 2502 | سيد قطب