تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2497

مساهمون:

ص٢٤٩٧
والخزرج - حتى همّوا أن يقتتلوا ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على المنبر ، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل . وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . فأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوما ، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي . فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم جلس ، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها ، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، فتشهد حين جلس ، ثم قال : « أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه تعالى ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه تعالى وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللّه تعالى عليه » . فلما قضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة . فقلت لأبي : أجب عني رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما قال . قال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقلت لأمي : أجيبي عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما قال . قالت : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . قالت : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن . فقلت : إني واللّه أعلم أنكم سمعتم حديثا تحدث الناس به ، واستقر في نفوسكم ، وصدقتم به . فلئن قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني بذلك . ولئن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلم أني منه بريئة ، لتصدقنني . فو اللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال :
« فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ »
. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، وأنا واللّه حينئذ أعلم أني بريئة ، وأن اللّه تعالى مبرئي ببراءتي . ولكن واللّه ما كنت أظن أن ينزل اللّه تعالى في شأني وحيا يتلى ؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّه تعالى فيّ بأمر يتلى ؛ ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني اللّه تعالى بها . فو اللّه ما رام مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل اللّه تعالى على نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، فسري عنه ، وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : يا عائشة احمدي اللّه تعالى فإنه قد برأك . فقالت لي أمي : قومي إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقلت : واللّه لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا اللّه تعالى ، هو الذي أنزل براءتي . فأنزل اللّه تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
. . . العشر الآيات » فلما أنزل اللّه تعالى هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : واللّه لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة - رضي اللّه عنها - فأنزل اللّه تعالى :
« وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ . . »
إلى قوله :
« وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
فقال أبو بكر - رضي اللّه عنه - بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان يجري عليه ، وقال : واللّه لا أنزعها منه أبدا . قالت عائشة رضي اللّه عنها : وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال : « يا زينب . ما علمت وما رأيت ؟ » فقالت : يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصري ، واللّه ما علمت عليها إلا خيرا . وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فعصمها اللّه تعالى بالورع . قالت : فطفقت أختها حمنة تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك « 1 » .
هامش
( 1 ) قال ابن شهاب : فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط . أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك باختلاف يسير .