تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2481

مساهمون:

ص٢٤٨١
وبها ينتهي مشهد الاحتضار . وإذا الحواجز قائمة بين قائل هذه الكلمة والدنيا جميعا . فلقد قضي الأمر ، وانقطعت الصلات ، وأغلقت الأبواب ، وأسدلت الأستار :
« وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ »
. . فلا هم من أهل الدنيا ، ولا هم من أهل الآخرة . إنما هم في ذلك البرزخ بين بين ، إلى يوم يبعثون . ثم يستطرد السياق إلى ذلك اليوم ، يصوره ويعرضه للأنظار .
« فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ »
. . إنما تقطعت الروابط ، وسقطت القيم التي كانوا يتعارفون عليها في الدنيا
« فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ »
. وشملهم الهول بالصمت ، فهم ساكنون لا يتحدثون
« وَلا يَتَساءَلُونَ »
. ويعرض ميزان الحساب وعملية الوزن في سرعة واختصار .
« فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ »
. . وعملية الوزن بالميزان تجري على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير ، وتجسيم المعاني في صور حسية ، ومشاهد ذات حركة « 1 » . ومشهد لفح النار للوجوه حتى تكلح ، وتشوه هيئتها ، ويكدر لونها . . مشهد مؤذ أليم . وهؤلاء الذين خفت موازينهم خسروا كل شيء . فقد خسروا أنفسهم . وحين يخسر الإنسان نفسه فما ذا يملك إذن ؟ وما الذي يتبقى له . وقد خسر نفسه التي بين جنبيه ، وخسر ذاته التي تميزه ، فكأنما لم يكن له وجود . وهنا يعدل عن أسلوب الحكاية إلى أسلوب الخطاب والمواجهة ، فإذا العذاب الحسي - على فظاعته - أهون من التأنيب والخزي الذي يصاحبه . وكأنما نحن نراه اللحظة ونشهده في حوار ممض طويل :
« أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ! »
. . وكأنما يخيل إليهم - وقد سمعوا هذا السؤال - أنهم مأذونون في الكلام ، مسموح لهم بالرجاء . وأن الاعتراف بالذنب قد يجدي في قبول الرجاء :
« قالُوا : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ . رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ »
. . وهو اعتراف تتجلى فيه المرارة والشقوة . . . ولكن كأنما هم قد تجاوزوا حدهم وأساءوا أدبهم ، فلم يكن مأذونا لهم في غير الإجابة على قدر السؤال . بل لعله كان سؤالا للتبكيت لا يطلب عليه منهم جواب . فهم يزجرون زجرا عنيفا قاسيا :
« قالَ : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ »
. . اخرسوا واسكتوا سكوت الأذلاء المهينين ، فإنكم لتستحقون ما أنتم فيه من العذاب الأليم والشقاء المهين :
« إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي ، وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع فصل التصوير الفني في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق »