ولقد كان مشركو العرب مضطربي العقيدة ، لا ينكرون اللّه ، ولا ينكرون أنه مالك السماوات والأرض ، مدبر السماوات والأرض ، المسيطر على السماوات والأرض . . ولكنهم مع ذلك يشركون معه آلهة مدعاة ، يقولون : إنهم يعبدونها لتقربهم من اللّه ، وينسبون له البنات . سبحانه وتعالى عما يصفون :
فهو هنا يأخذهم بمسلماتهم التي يقرون بها ، ليصحح ذلك الاضطراب في العقيدة ، ويردهم إلى التوحيد الخالص الذي تقود إليه مسلماتهم ، لو كانوا يستقيمون على الفطرة ولا ينحرفون :
« قُلْ : لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ . قُلْ : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ قُلْ : مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ؟ سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ . قُلْ : أَ فَلا تَتَّقُونَ ؟ قُلْ : مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ . قُلْ : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ؟ »
. .
وهذا الجدال يكشف عن مدى الاضطراب الذي لا يفيء إلى منطق ، ولا يرتكن إلى عقل ؛ ويكشف عن مدى الفساد الذي كانت عقائد المشركين قد وصلت إليه في الجزيرة عند مولد الإسلام .
« قُلْ : لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ »
. . فهو سؤال عن ملكية الأرض ومن فيها :
« سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ »
. . ولكنهم مع ذلك لا يذكرون هذه الحقيقة وهم يتوجهون بالعبادة لغير اللّه :
« قُلْ : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ »
.
« قُلْ : مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ »
. . فهو سؤال عن الربوبية المدبرة ، المصرفة للسماوات السبع والعرش العظيم . والسماوات السبع قد تكون أفلاكا سبعة ، أو مجموعات نجمية سبعة ، أو سدما سبعة ، أو عوالم سبعة ، أو أية خلائق فلكية سبعة . والعرش رمز للاستعلاء والهيمنة على الوجود . . فمن هو رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ؟
« سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ »
ولكنهم مع ذلك لا يخافون صاحب العرش ، ولا يتقون رب السماوات السبع ، وهم يشركون معه أصناما مهينة ، ملقاة على الأرض لا تريم . .
« قُلْ : أَ فَلا تَتَّقُونَ »
. .
« قُلْ : مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ »
. . فهو سؤال عن السيطرة والسطوة والسلطان . سؤال عمن بيده ملكية كل شيء ملكية استعلاء وسيطرة . ومن هو الذي يجير بقوته من يشاء فلا يناله أحد ؛ ولا يملك أحد أن يجير عليه ، وأن ينقذ من يريده بسوء من عباده . . من ؟
« سَيَقُولُونَ : لِلَّهِ »
فما لهم يصرفون عن عبادة اللّه ؟ وما لعقولهم تنحرف وتتخبط كالذي مسه السحر :
« قُلْ : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ؟ »
.
ألا إنه الاضطراب والتخبط الذي يصاب به المسحورون ! وفي اللحظة المناسبة لتقرير حقيقة ما جاءهم به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من التوحيد ، وبطلان ما يدعونه من الولد والشريك . . في اللحظة المناسبة بعد ذلك الجدل يجيء هذا التقرير :
« بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ . إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ . سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
.
يجيء هذا التقرير في أساليب شتى . . بالإضراب عن الجدل معهم ، وتقرير كذبهم الأكيد :
« بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
. ثم يفصل فيما هم كاذبون :
« مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ »
. . ثم يأتي بالدليل الذي ينفي دعواهم ، ويصور ما في عقيدة الشرك من سخف واستحالة :
« إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ »
مستقلا بما خلقه ، يصرفه حسب ناموس خاص ؛ فيصبح لكل جزء من الكون ، أو لكل فريق