تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2482

مساهمون:

ص٢٤٨٢
وكذلك لم يكن جرمكم أنكم كفرتم فحسب ، واقتصرتم على أنفسكم بالكفر وهو جرم عظيم ؛ إنما بلغ بكم السفه والتوقح أن تسخروا ممن آمنوا ، وراحوا يرجون غفران ربهم ورحمته ؛ وأن تضحكوا منهم حتى ليشغلكم هذا الهذر عن ذكر اللّه ، ويباعد بينكم وبين التدبر والتفكر في دلائل الإيمان المبثوثة في صفحات الوجود . . فانظروا اليوم أين مكانكم ومكان أولئك الذين كنتم تسخرون منهم وتضحكون :
« إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ »
. . وبعد هذا الرد القاسي المهين ، وبيان أسبابه ، وما في هذا البيان من ترذيل وتبكيت . . يبدأ استجواب جديد :
« قالَ : كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ؟ »
. . وإن اللّه - سبحانه - ليعلم . ولكنه سؤال لاستصغار أمر الأرض ، واستقصار أيامهم فيها . وقد باعوا بها حياة الخلود . . وإنهم ليحسون اليوم بقصر تلك الحياة وضآلتها . وإنهم ليائسون ضيقو الصدر ، لا يعنيهم حسابها وعدتها :
« قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . فَسْئَلِ الْعادِّينَ »
. . وهي إجابة الضيق واليأس والأسى والقنوط ! والرد : إنكم لم تلبثوا إلا قليلا بالقياس إلى ما أنتم عليه مقبلون لو كنتم تحسنون التقدير :
« قالَ : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. . ثم عودة إلى الترذيل والتعنيف على تكذيبهم بالآخرة ، مع التبصير بحكمة البعث المكنونة منذ أول الخلق :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ؛ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ؟ »
. . فحكمة البعث من حكمة الخلق . محسوب حسابها ، ومقدر وقوعها ، ومدبر غايتها . وما البعث إلا حلقة في سلسلة النشأة ، تبلغ بها كمالها ، ويتم فيها تمامها . ولا يغفل عن ذلك إلا المحجوبون المطموسون ، الذين لا يتدبرون حكمة اللّه الكبرى ؛ وهي متجلية في صفحات الكون ، مبثوثة في أطواء الوجود . . وتنتهي سورة الإيمان بتقرير القاعدة الأولى للإيمان . . التوحيد . . وإعلان الخسارة الكبرى لمن يشركون باللّه ، في مقابل الفلاح في أول السورة للمؤمنين . وبالتوجه إلى اللّه في طلب الرحمة والغفران وهو أرحم الراحمين :
« فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ . وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ . وَقُلْ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ »
. . هذا التعقيب يجيء بعد مشهد القيامة السابق ؛ وبعد ما حوته السورة قبل هذا المشهد من جدل وحجج ودلائل وبينات . . يجيء نتيجة طبيعية منطقية لكل محتويات السورة . وهو يشهد بتنزيه اللّه - سبحانه - عما يقولون ويصفون . ويشهد بأنه الملك الحق ، والمسيطر الحق ، الذي لا إله إلا هو . صاحب السلطان والسيطرة والاستعلاء :
« رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ »
. وكل دعوى بألوهية أحد مع اللّه ، فهي دعوى ليس معها برهان . لا من الدلائل الكونية ، ولا من منطق