من المخلوقات ناموس خاص لا يلتقي فيه بناموس عام يصرف الجميع .
« وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ »
بغلبة سيطرته وتصريفه على الكون الذي لا يبقى ولا ينتظم إلا بناموس واحد ، وتصريف واحد ، وتدبير واحد .
وكل هذه الصور لا وجود لها في الكون ، الذي تشهد وحدة تكوينه بوحدة خالقه ، وتشهد وحدة ناموسه بوحدة مدبره . وكل جزء فيه وكل شيء يبدو متناسقا مع الأجزاء الأخرى بلا تصادم ولا تنازع ولا اضطراب . .
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
. .
« عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ »
فليس لغيره من خلق يستقل به ، ويعلم من دون اللّه أمره .
« فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
.
وعند هذا الحد يلتفت عن خطابهم وجدلهم وحكاية حالهم ، إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يأمره أن يتوجه إلى ربه مستعيذا به أن يجعله مع هؤلاء القوم - إن كان قد قدر له أن يرى تحقيق ما وعدهم به من العذاب . وأن يستعيذ به كذلك من الشياطين ، فلا تثور نفسه ، ولا يضيق صدره بما يقولون :
« قُلْ : رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ . رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ . وَقُلْ : رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ »
. .
ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في منجاة من أن يجعله اللّه مع القوم الظالمين حين يحل بهم العذاب الأليم ، ويتحقق ما يوعدون ، ولكن هذا الدعاء زيادة في التوقي ؛ وتعليم لمن بعده ألا يأمنوا مكر اللّه ، وأن يظلوا أبدا أيقاظا ، وأن يلوذوا دائما بحماه .
واللّه قادر على أن يحقق ما وعد به الظالمين في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - :
« وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ »
. .
ولقد أراه بعض ما وعدهم في غزوة بدر . ثم في الفتح العظيم .
فأما حين نزول هذه السورة - وهي مكية - فكان منهج الدعوة دفع السيئة بالتي هي أحسن ؛ والصبر حتى يأتي أمر اللّه ؛ وتفويض الأمر للّه :
« ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ »
.
واستعاذة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من همزات الشياطين ودفعاتهم - وهو معصوم منها - زيادة كذلك في التوقي ، وزيادة في الالتجاء إلى اللّه ، وتعليم لأمته وهو قدوتها وأسوتها ، أن يتحصنوا باللّه من همزات الشياطين في كل حين . بل إن الرسول ليوجه إلى الاستعاذة باللّه من مجرد قرب الشياطين ، لا من همزاتهم ودفعاتهم :
« وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ »
. .
ويحتمل أن تكون الاستعاذة من حضورهم إياه ساعة الوفاة . ويرشح لهذا المعنى ما يتلوه في السياق :
« حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ . . . »
على طريقة القرآن في تناسق المعاني وتداعيها . .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 99 إلى 118 ]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 )
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 )
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 )
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 )