تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2476

مساهمون:

ص٢٤٧٦
بالآخرة ، وبالعالم الذي يسمح ببلوغ الكمال الممكن ، وتحقيق العدل المرسوم . فليست الآخرة إلا حلقة من حلقات الناموس الشامل الذي ارتضاه اللّه لتدبير هذا الوجود . هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة ، والذين تنكبوا الطريق ، لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة ، ولا الابتلاء بالنقمة . فإن أصابتهم النعمة حسبوا :
« أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ »
وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم ، ولم تستيقظ ضمائرهم ، ولم يرجعوا إلى اللّه يتضرعون له ليكشف عنهم الضر ، ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة فإذا هم حائرون يائسون .
« وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ . وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ . حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ »
. . وهذه صفة عامة لذلك الصنف من الناس ، القاسية قلوبهم ، الغافلين عن اللّه ، المكذبين بالآخرة ، ومنهم المشركون الذين كانوا يواجهون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم . والاستكانة والتضرع عند مس الضر دليل على الرجوع إلى اللّه ، والشعور بأنه الملجأ والملاذ . والقلب متى اتصل باللّه على هذا النحو رق ولان ، واستيقظ وتذكر ، وكانت هذه الحساسية هي الحارس الواقي من الغفلة والزلل ، وأفاد من المحنة وانتفع بالبلاء . فأما حين يسدر في غيه ، ويعمه في ضلاله ، فهو ميئوس منه لا يرجى له صلاح ، وهو متروك لعذاب الآخرة ، الذي يفاجئه ، فيسقط في يده ، ويبلس ويحتار ، وييأس من الخلاص . ثم يجول معهم جولة أخرى علها توقظ وجدانهم إلى دلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ . قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ . وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
. . ولو تدبر الإنسان خلقه وهيئته ، وما زود به من الحواس والجوارح ، وما وهبه من الطاقات والمدارك لوجد اللّه ، ولاهتدى إليه بهذه الخوارق الدالة على أنه الخالق الواحد . فما أحد غير اللّه بقادر على إبداع هذه الخلقة المعجزة في الصغير منها وفي الكبير . هذا السمع وحده وكيف يعمل ؟ كيف يلتقط الأصوات ويكيفها ؟ وهذا البصر وحده وكيف يبصر ؟ وكيف يلتقط الأضواء والأشكال ؟ وهذا الفؤاد ما هو ؟ وكيف يدرك ؟ وكيف يقدر الأشياء والأشكال ، والمعاني والقيم والمشاعر والمدركات ؟ إن مجرد معرفة طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها ، يعد كشفا معجزا في عالم البشر . فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؛ ذلك التناسق الملحوظ الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الاتصال ، فما استطاعت أذن أن تلتقط صوتا ، ولا استطاعت عين أن تلتقط ضوءا . ولكن القدرة المدبرة نسقت بين طبيعة الإنسان وطبيعة الكون الذي يعيش فيه ، فتم هذا الاتصال . غير أن الإنسان لا يشكر على النعمة :
« قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ »
. . والشكر يبدأ بمعرفة واهب النعمة ، وتمجيده بصفاته ، ثم عبادته وحده ؛ وهو الواحد الذي تشهد بوحدانيته آثاره