تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1726

مساهمون:

ص١٧٢٦
( يعنون الروم ) كقتال العرب بعضهم بعضا ؟ واللّه لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال . . إرجافا وترهيبا للمؤمنين . . فقال مخشن بن حمير : واللّه لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر : « أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل : بلى قلتم كذا وكذا » . فانطلق إليهم عمار ، فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعتذرون إليه ، فقال وديعة بن ثابت ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - واقف على ناقته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها ( وهو الحبل يشد على بطن البعير ) يا رسول اللّه ، إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل اللّه عزّ وجل : « ولئن سألتهم ليقولن : إنما كنا نخوض ونلعب . قل : أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ؟ » وقال مخشن بن حمير : يا رسول اللّه ، قعد بي اسمي واسم أبي ! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير . فتسمى عبد الرحمن . وسأل اللّه تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ، فلم يوجد له أثر . . قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم من تبوك - بعد ما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حربا - همّ جماعة من المنافقين بالفتك به ، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي ، وصعد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه . عمار آخذ بزمام الناقة ، وحذيفة يسوقها ؛ فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأبصر حذيفة غضبه ، فرجع إليهم ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ؛ فأسرعوا حتى خالطوا الناس ؛ وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ، ووقفوا ينتظرون الناس . ثم قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لحذيفة : « هل عرفت هؤلاء القوم ؟ » قال : ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم . ثم قال : « علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ » قالا : لا . فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه ، وسماهم لهما ، واستكتمهما ذلك ، فقالا : يا رسول اللّه ، أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال : « أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » . . قال ابن كثير في البداية والنهاية : وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده . وهذا هو الأشبه ، واللّه أعلم « 1 » . . فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها . . قال ابن كثير في التفسير : قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية :
« لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »
. . في غزوة تبوك . وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر من الزاد والماء . . قال قتادة : خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر ، على ما يعلم اللّه من الجهد ، فأصابهم فيها جهد شديد
هامش
( 1 ) لم أجد هذا فيما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة .
في ظلال القرآن — صفحة 1726 | سيد قطب