تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1727

مساهمون:

ص١٧٢٧
حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم . وروى ابن جرير - بإسناده - إلى عبد اللّه بن عباس : أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة ، فقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تبوك ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده . وقال ابن جرير في قوله :
« لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ »
- أي من النفقة والظهر والزاد والماء -
« مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ »
- أي عن الحق ، ويشك في دين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم - « ثم تاب عليهم » يقول : ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه
« إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »
. . ولعل هذا الاستعراض أن يصور لنا اليوم كيف كانت « العسرة » كما ينقل لنا لمحة من الجو الذي عاشه المجتمع المسلم في تلك الفترة ؛ يتجلى فيها تفاوت المقامات الإيمانية ؛ من اليقين الجاد عند طائفة . إلى الزلزلة والأرجحة تحت مطارق العسرة عند طائفة . إلى القعود والتخلف - بغير ريبة - عند طائفة . إلى النفاق الناعم عند طائفة . إلى النفاق الفاجر عند طائفة . إلى النفاق المتآمر عند طائفة . . مما يشي أولا بالحالة العامة للتركيب العضوي للمجتمع في هذه الفترة ؛ ويشي ثانيا بمشقة الغزوة - في مواجهة الروم ومع العسرة - هذه المشقة الممحصة . الممتحنة الكاشفة ؛ والتي لعل اللّه سبحانه قد قدرها من أجل التمحيص والكشف والتمييز . هذه هي العسرة التي تخلف فيها المتخلفون وكثرتهم من المنافقين الذين سلف بيان أمرهم . ومن المؤمنين الذين لم يقعدوا شكا ولا نفاقا ، إنما قعدوا كسلا واسترواحا للظلال في المدينة . وهؤلاء جماعتان ؛ جماعة قضي في أمرهم من قبل ، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، واعترفوا بذنوبهم ، وجماعة أخرى :
« مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ »
وهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا ، أي تركوا بلا حكم . وأرجئوا حتى يحكم اللّه فيهم . وهنا تفصيل أمرهم بعد الإرجاء في الحكم والإرجاء في السياق . . وقبل أن نقول نحن عن هؤلاء شيئا في تفسير النص المصور لحالهم ؛ وقبل أن نعرض الصورة الفنية المعجزة التي رسمها التعبير لهم ولحالهم ، ندع أحدهم يتحدث عما كان . . هو كعب بن مالك - رضي اللّه عنه - : أخرج أحمد والبخاري ومسلم من طريق الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك أن عبد اللّه بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في غزوة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، إنما خرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد . ولقد شهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر ، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، واللّه
في ظلال القرآن — صفحة 1727 | سيد قطب