تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1729

مساهمون:

ص١٧٢٩
قال : ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس - أو قال تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما . وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، فإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه . فو اللّه ما رد علي السلام . فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى . هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله ؟ قال فسكت ، قال فعدت فنشدته فسكت ؛ فعدت فنشدته . قال : اللّه ورسوله أعلم . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب ابن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا ، فقرأته فإذا فيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء . فتيممت بها التنور فسجرتها . . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ برسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ما ذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربنها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك . فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر . فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ، إن هلالا شيخ ضائع ، وليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال « لا ، ولكن لا يقربنك » فقالت : إنه واللّه ما به من حركة إلى شيء ، واللّه ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في امرأتك ! فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه . فقلت : واللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب . قال : فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا . قال : ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا ؛ وعرفت أن قد جاء الفرج ؛ فآذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر . فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض إليّ رجل فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي ، وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته ، واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ؛ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة اللّه عليك . حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جالس في المسجد وحوله الناس ، فقام إليّ طلحة ابن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني ، واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ، قال : فكان كعب رضي اللّه عنه لا ينساها لطلحة .