تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1728

مساهمون:

ص١٧٢٨
ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ؛ وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عدوا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم بوجههم الذي يريد ، والمسلمون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - . قال كعب رضي اللّه عنه : فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عزّ وجل . وغزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا إليها أصغو ، فتجهز إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا ، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إن أردت . فلم يزل ذلك يتهادى بي حتى استمر بالناس الجد ، فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض في جهازي شيئا ، فلم يزل يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليت أني فعلت ؛ ثم لم يقدر لي ذلك ، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق ، أو رجلا ممن عذر اللّه . ولم يذكرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : « ما فعل كعب بن مالك » ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت ، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عنه إلا خيرا . فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول بما ذا أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي . فلما قيل : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له . وكانوا بضعا وثمانين رجلا ؛ فقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ؛ حتى جئت ؛ فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي : « تعال » فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : « ما خلفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ » فقلت يا رسول اللّه ، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه ، وإني لأرجو فيه عقبى من اللّه . واللّه ما كان لي عذر ، واللّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك » فقمت . وبادرني رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي : واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون ، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : فو اللّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم ، لقيه معك رجلان قالا ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي .