تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1723

مساهمون:

ص١٧٢٣
صلى اللّه عليه وسلم - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين ! وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى :
« الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ »
. . وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم ! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد . ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان « ساعة العسرة » . ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها ( ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام ، ومن إمتاع الأسماع للمقريزي ، ومن البداية والنهاية لابن كثير ، ومن تفسير ابن كثير ) : لما نزل قوله تعالى :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ . . . »
أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم ( ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريرا للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن ) وذلك في زمن عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، وجدب من البلاء ، وحين طابت الثمار ، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه . وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له ( أي يقصد إليه ) إلا ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بينها للناس ، لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدو الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته . فأمر الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد الروم . واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم ! فأذن ! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدرا بالعفو عنه في اجتهاده :
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ؟ »
. . وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد ، وشكا في الحق ، وإرجافا برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيهم : « وقالوا : لا تنفروا في الحر ، قل : نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون » . وبلغ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي ، يثبطون الناس عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في غزوة تبوك ؛ فبعث إليهم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - طلحة ابن عبيد اللّه في نفر من أصحابه ، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ، ففعل طلحة ، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا . ثم تاب الضحاك . ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع . وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه . وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين ، عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . . قال ابن هشام : فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض » . وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه -