الحالة ( أ ) يحتمل أن تتبعها الحالة ( ب ) أو ( ج ) أو ( د ) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر . نعم إن في استطاعته أن يقول : إن حدوث الحالة ( ب ) أكثر احتمالا من حدوث الحالة ( ج ) وإن الحالة ( ج ) أكثر احتمالا من ( د ) . . . وهكذا . بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات ( ب ) و ( ج ) و ( د ) بعضها بالنسبة إلى بعض . ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين : أي الحالات تتبع الأخرى . لأنه يتحدث دائما عما يحتمل . أما ما يجب أن يحدث ، فأمره موكول إلى الأقدار . مهما تكن حقيقة هذه الأقدار » « 1 » ومتى تخلص القلب من ضغط الأسباب الظاهرة ، لم يعد هناك محل فيه للتوكل على غير اللّه ابتداء . وقدر اللّه هو الذي يحدث كل ما يحدث . وهو وحده الحقيقة المستيقنة . والأسباب الظاهرة لا تنشئ إلا احتمالات ظنية ! . . وهذه هي النقلة الضخمة التي ينقلها الاعتقاد الإسلامي للقلب البشري - وللعقل البشري أيضا - النقلة التي تخبطت الجاهلية الحديثة ثلاثة قرون لتصل إلى أولى مراحلها من الناحية العقلية ؛ ولم تصل إلى شيء منها في الناحية الشعورية ، وما يترتب عليها من نتائج عملية خطيرة في التعامل مع قدر اللّه ؛ والتعامل مع الأسباب والقوى الظاهرية ! . . إنها نقلة التحرر العقلي ، والتحرر الشعوري ، والتحرر السياسي ، والتحرر الاجتماعي ، والتحرر الأخلاقي . . . إلى آخر أشكال التحرر وأوضاعه . . . وما يمكن أن يتحرر « الإنسان » أصلا إذا بقي عبدا للأسباب « الحتمية » وما وراءها من عبوديته لإرادة الناس . أو عبوديته لإرادة ( الطبيعة ! ) فكل « حتمية » غير إرادة اللّه وقدره ، هي قاعدة لعبودية لغير اللّه وقدره . . ومن ثم هذا التوكيد على التوكل على اللّه وحده ، واعتباره شرطا لوجود الإيمان أو عدمه . . والتصور الاعتقادي في الإسلام كل متكامل . ثم هو بدوره كل متكامل مع الصورة الواقعية التي يريدها هذا الدين لحياة الناس « 2 » .
« الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ »
. .
وهنا نرى للإيمان صورة حركية ظاهرة - بعد ما رأيناه في الصفات السابقة مشاعر قلبية باطنة - ذلك أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل . فالعمل هو الدلالة الظاهرة للإيمان التي لا بد من ظهورها للعيان ، لتشهد بالوجود الفعلي لهذا الإيمان .
وإقامة الصلاة ليست هي مجرد أدائها . إنما هي الأداء الذي يحقق حقيقتها . الأداء الكامل اللائق بوقفة العابد في حضرة المعبود - سبحانه - لا مجرد القراءة والقيام والركوع والسجود والقلب غافل ! وهي في صورتها الكاملة تلك تشهد للإيمان بالوجود فعلا .
« وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
. .
في الزكاة وغير الزكاة . . وهم ينفقون « مما رزقناهم » . . فهو بعض مما رزقهم الرازق . . وللنص القرآني دائما ظلاله وإيحاءاته . فهم لم يخلقوا هذا المال خلقا . إنما هو مما رزقهم اللّه إياه - من بين ما رزقهم وهو كثير لا يحصى - فإذا أنفقوا فإنما ينفقون بعضه ، ويحتفظون منه ببقية . والأصل هو رزق اللّه وحده ! تلك هي الصفات التي حدد اللّه بها - في هذا المقام - الإيمان . وهي تشمل الاعتقاد في وحدانية اللّه ؛ والاستجابة الوجدانية لذكره ؛ والتأثر القلبي بآياته ؛ والتوكل عليه وحده ؛ وإقامة الصلاة له ، والإنفاق من بعض رزقه . .
هامش
( 1 ) راجع بتوسع تفسير قوله تعالى :« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »في الجزء السابع من الظلال ص 1113 - 1121 .
( 2 ) يراجع بتوسع كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . . دار الشروق » .