تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1474

مساهمون:

ص١٤٧٤
هذا النزاع متلبسا هنا بمعنى الشهادة بحسن البلاء - إلا استجاشة الشعور بتقوى اللّه وخوفه وتلمس رضاه في الدنيا والأخرى . . إن قلبا لا يتعلق باللّه ، يخشى غضبه ويتلمس رضاه ، لا يملك أن يتخلص من ثقلة الأعراض ، ولا يملك أن يرف شاعرا بالانطلاق ! إن التقوى زمام هذه القلوب الذي يمكن أن تقاد منه طائعة ذلولة في يسر وفي هوادة . . وبهذا الزمام يقود القرآن هذه القلوب إلى إصلاح ذات بينها :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ »
. . وبهذا الزمام يقودها إلى طاعة اللّه ورسوله :
« وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ »
. وأول الطاعة هنا طاعته في حكمه الذي قضاه في الأنفال . فقد خرجت من أن تكون لأحد من الغزاة على الإطلاق ، وارتدت ملكيتها ابتداء للّه والرسول ، فانتهى حق التصرف فيها إلى اللّه والرسول . فما على الذين آمنوا إلا أن يستسلموا فيها لحكم اللّه وقسم رسول اللّه ؛ طيبة قلوبهم ، راضية نفوسهم ؛ وإلا أن يصلحوا علائقهم ومشاعرهم ، ويصفوا قلوبهم بعضهم لبعضهم . . ذلك :
« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. . فلا بد للإيمان من صورة عملية واقعية . يتجلى فيها ، ليثبت وجوده ، ويترجم عن حقيقته . وكما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليس الإيمان بالتمني ، ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل « 1 » » . ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب كثيرا في القرآن لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولتعريف الإيمان وتحديده ؛ وإخراجه من أن يكون كلمة تقال باللسان ، أو تمنيا لا واقعية له في عالم العمل والواقع . ثم يعقب بتقرير صفات الإيمان « الحق » كما يريده رب هذا الدين ؛ ليحدد لهم ما يعنيه قوله تعالى :
« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. . فها هو ذا الإيمان الذي يريده منهم رب هذا الدين :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ »
. . إن التعبير القرآني دقيق في بنائه اللفظي ليدل دلالة دقيقة على مدلوله المعنوي . وفي العبارة هنا قصر بلفظ : « إنما » . وليس هنالك مبرر لتأويله - وفيه هذا الجزم الدقيق - ليقال : إن المقصود هو « الإيمان الكامل » ! فلو شاء اللّه - سبحانه - أن يقول هذا لقاله . إنما هو تعبير محدد دقيق الدلالة . إن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وأعمالهم ومشاعرهم هم المؤمنون . فغيرهم ممن ليس له هذه الصفات بجملتها ليسوا بالمؤمنين . والتوكيد في آخر الآيات :
« أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا »
يقرر هذه الحقيقة . فغير المؤمنين « حقا » لا يكونون مؤمنين أصلا . . والتعبيرات القرآنية يفسر بعضها بعضا . واللّه يقول :
« فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ »
فما لم يكن حقا فهو الضلال . وليس المقابل لوصف : « المؤمنون حقا » هو المؤمنون إيمانا غير كامل ! ولا يجوز أن يصبح التعبير القرآني الدقيق عرضة لمثل هذه التأويلات المميعة لكل تصور ولكل تعبير !
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس .