تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1478

مساهمون:

ص١٤٧٨
وهي لا تمثل تفصيلات الإيمان - كما وردت في النصوص الأخرى - إنما هي تواجه حالة واقعة . . حالة الخلاف على الأنفال وفساد ذات البين من جرائها . . فتذكر من صفات المؤمنين ما يواجه هذه الحالة . وهي في الوقت ذاته تعين صفات من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان فعلا . بغض النظر عما إذا كانت تستقصي شروط الإيمان أو لا تستقصيها . فمنهج التربية الرباني بالقرآن هو الذي يتحكم فيما يذكر من هذه الشروط والتوجيهات في مواجهة الحالات الواقعية المختلفة . ذلك أنه منهج واقعي عملي حركي ، لا منهج نظري معرفي ، مهمته بناء ( نظرية ) وعرضها لذاتها ! وعلى نفس القاعدة يجيء التعقيب الأخير :
« أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَمَغْفِرَةٌ ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ »
. . فهذه الصفات إنما يجدها في نفسه وفي عمله المؤمن الحق . فمن لم يجدها جملة لم يجد صفة الإيمان . وهي في الوقت ذاته تواجه الحالة التي تنزلت فيها الآيات . . ومن ثم تواجه الحرص على الشهادة بحسن البلاء ، بأن هؤلاء الذين يجدون هذه الصفات « لهم درجات عند ربهم » . . وتواجه ما وقع في ذات البين من سوء أخلاق - كما قال عبادة بن الصامت - بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم « مغفرة » . . وتواجه ما وقع من نزاع على الأنفال بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم « رزق كريم » . . فتغطي الحالة كلها ، كل ما لابسها من مشاعر ومواقف . وتقرر في الوقت ذاته حقيقة موضوعية ؛ وهي أن هذه صفات المؤمنين ، من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان .
« أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا »
. . وقد كانت العصبة المسلمة الأولى تعلم أن للإيمان حقيقة لا بد أن يجدها الإنسان في نفسه ، وأنه ليس الإيمان دعوى ، ولا كلمات لسان ، ولا هو بالتمني . . قال الحافظ الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد السكسكي ، عن سعيد ابن أبي هلال ، عن محمد بن أبي الجهم ، عن الحارث بن مالك الأنصاري ، أنه مر برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال له : « كيف أصبحت يا حارث ؟ » قال : أصبحت مؤمنا حقا . قال : « انظر ما تقول ، فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري . وكأني انظر إلى عرش ربي بارزا . وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها . وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : « يا حارث . عرفت فالزم » . . ثلاثا . . . ولقد ذكر هذا الصحابي الذي استحق شهادة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - له بالمعرفة من حال نفسه ، ما يصور مشاعره ويشي بما وراء هذه المشاعر من عمل وحركة . فالذي كأنه ينظر إلى عرش ربه بارزا ، وينظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتضاغون فيها ، لا ينتهي إلى مجرد النظر . إنما هو يعيش ويعمل ويتحرك في ظل هذه المشاعر القوية المسيطرة التي تصبغ كل حركة وتؤثر فيها . ذلك إلى جانب ما أسهر ليله وأظمأ نهاره ، وكأنما هو ناظر إلى عرش ربه بارزا . . . إن حقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب ؛ فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها لسان ، ومن ورائها واقع يشهد شهادة ظاهرة بعكس ما يقوله اللسان ! إن التحرج ليس معناه التميع ! والشعور بجدية الحقيقة الإيمانية أوجب ؛ والتحرج في تصورها ألزم . وبخاصة في قلوب العصبة المؤمنة التي تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع ، التي غلبت عليها الجاهلية ، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة !