تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1479

مساهمون:

ص١٤٧٩
بعد ذلك يأخذ سياق السورة في الحديث عن الموقعة التي تخلفت عنها تلك الأنفال التي تنازعوا عليها ، وساءت أخلاقهم فيها - كما يقول عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه في خلوص وصراحة ووضوح - ويستعرض مجمل أحداثها وملابساتها ، ومواقفهم فيها ، ومشاعرهم تجاهها . . . فيتبين من هذا الاستعراض أنهم هم لم يكونوا فيها إلا ستارا لقدر اللّه ؛ وأن كل ما كان فيها من أحداث ، وكل ما نشأ عنها من نتائج - بما فيها هذه الأنفال التي تنازعوا عليها - إنما كان بقدر اللّه وتوجيهه وتدبيره وعونه ومدده . . أما ما أرادوه هم لأنفسهم من الغزوة فقد كان شيئا صغيرا محدودا ، لا يقاس إلى ما أراده اللّه لهم ، وبهم ، من هذا الفرقان العظيم في السماوات وفي الأرض . ذلك الذي اشتغل به الملأ الأعلى إلى جانب ما اشتغل به الناس في الأرض ، وما اشتغل به التاريخ البشري على الإطلاق . . ويذكرهم أن فريقا منهم واجه المعركة كارها ؛ كما أن فريقا منهم كره تقسيم الأنفال وتنازع فيها ؛ ليروا أن ما يرونه هم ، وما يكرهونه أو يحبونه ، ليس بشيء إلى جانب ما يريده اللّه سبحانه ويقضي فيه بأمره ، وهو يعلم عاقبة الأمور :
« كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ . يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ . . إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ »
. . لقد رد اللّه الأنفال كلها إلى اللّه والرسول ، ليعيد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - قسمتها بينهم على السواء - بعد استبقاء الخمس الذي ستأتي فيما بعد مصارفه - ذلك لتخلص نفوس العصبة المؤمنة من كل ملابسات الغنيمة ؛ فيمتنع التنازع عليها ، ويصير حق التصرف فيها إلى رسول اللّه كما يعلمه اللّه ، فلا يبقى في النفوس من أجلها شيء ؛ وليذهب ما حاك في نفوس الفئة التي حازت الغنائم ، ثم سويت مع الآخرين في القسمة على ما تقدم . ثم ضرب اللّه هذا المثل من إرادتهم هم لأنفسهم ، ومن إرادة اللّه لهم ، وبهم ، ليستيقنوا أن الخيرة فيما اختاره اللّه في الأنفال وغير الأنفال ؛ وأن الناس لا يعلمون إلا ما بين أيديهم والغيب عنهم محجوب . . ضرب لهم هذا المثل من واقعهم الذي بين أيديهم . . من المعركة ذاتها تلك التي يتقاسمون أنفالها . . فما الذي كانوا يريدونه لأنفسهم فيها ؟ وما الذي أراده اللّه لهم ، وبهم ؟ وأين ما أرادوه مما أراده اللّه ؟ . . إنها نقلة بعيدة في واقع الأمر ؛ ونقلة بعيدة على مدّ الرؤية والتصور !
« كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ . يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ؛ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ »
. .