« كنت سألتني السيف وهو ليس لي ، وإنه قد وهب لي ، فهو لك » . . فهكذا كانوا يعيشون مع ربهم ، ومع هذا القرآن الذي يتنزل عليهم . وهو شيء هائل . وهي فترة عجيبة في حياة البشر . ومن ثم كانوا يتذوقون القرآن هذا التذوق . . كما أن قيامهم بالحركة الواقعية في ظل التوجيهات القرآنية المباشرة كان يجعل التفاعل مع هذا التذوق مضاعفا . . وإذا كانت الأولى لا تتكرر في حياة البشر ؛ فإن هذه الثانية تتكرر كلما قامت في الأرض عصبة مؤمنة تحاول بالحركة أن تنشئ هذا الدين في واقع الناس كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تنشئه . . وهذه العصبة المؤمنة التي تتحرك بهذا القرآن لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الناس هي التي تتذوق هذا القرآن ؛ وتجد في تلاوته ما يزيد قلوبها إيمانا ؛ لأنها ابتداء مؤمنة . الدين عندها هو الحركة لإقامة هذا الدين بعد الجاهلية التي عادت فطغت على الأرض جميعا ! وليس الإيمان عندها بالتمني ، لكن ما وقر في القلب وصدقه العمل !
« وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ »
. .
عليه وحده . . كما يفيده بناء العبارة . لا يشركون معه أحدا يستعينون به ويتوكلون عليه . . أو كما عقب عليها الإمام ابن كثير في التفسير : « أي لا يرجون سواه ، ولا يقصدون إلا إياه ، ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون الحوائج إلا منه ، ولا يرغبون إلا إليه ، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ، ولهذا قال سعيد ابن جبير : التوكل على اللّه جماع الإيمان » . .
وهذا هو إخلاص الاعتقاد بوحدانية اللّه ؛ وإخلاص العبادة له دون سواه فما يمكن أن يجتمع في قلب واحد ، توحيد اللّه والتوكل على أحد معه سبحانه . والذين يجدون في قلوبهم الاتكال على أحد أو على سبب يجب أن يبحثوا ابتداء في قلوبهم عن الإيمان باللّه ! وليس الاتكال على اللّه وحده بمانع من اتخاذ الأسباب . فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان باللّه وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها ؛ ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتكل عليها . إن الذي ينشئ النتائج - كما ينشئ الأسباب - هو قدر اللّه . ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن . . اتخاذ السبب عبادة بالطاعة .
وتحقق النتيجة قدر من اللّه مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا اللّه . . وبذلك يتحرر شعور المؤمن من التعبد للأسباب والتعلق بها ؛ وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة اللّه في استيفائها .
ولقد ظلت الجاهلية « العلمية ! » الحديثة تلج فيما تسميه « حتمية القوانين الطبيعية » . ذلك لتنفي « قدر اللّه » وتنفي « غيب اللّه » . حتى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها ، أمام غيب اللّه وقدر اللّه وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي ! ولجأت إلى نظرية « الاحتمالات » في عالم المادة . فكل ما كان حتميا صار احتماليا . وبقي « الغيب » سرا مختوما . وبقي قدر اللّه هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة ؛ وبقي قول اللّه - سبحانه - « لا تدري لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا » هو القانون الحتمي الوحيد ، الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبر اللّه بها هذا الكون ، بقدره النافذ الطليق ! يقول سير جيمس جينز الإنجليزي الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات :
« لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق ، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا ، وهو الطريق الذي رسم من قبل لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته ، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول ، وأن لا مناص من أن الحالة ( أ ) تتبعها الحالة ( ب ) . . أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن ، هو أن