تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1475

مساهمون:

ص١٤٧٥
لذلك كان السلف يعرفون من هذه الآيات أن من لم يجد في نفسه وعمله هذه الصفات لم يجد الإيمان ، ولم يكن مؤمنا أصلا . . جاء في تفسير ابن كثير : قال علي ابن طلحة عن ابن عباس ، في قوله :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
« قال : المنافقون : لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر اللّه عند أداء فرائضه ، ولا يؤمنون بشيء من آيات اللّه ، ولا يتوكلون ، ولا يصلون إذا غابوا ( أي عن أعين الناس ) ولا يؤدون زكاة أموالهم . فأخبر اللّه تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين . ثم وصف اللّه المؤمنين فقال : « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم » فأدوا فرائضه . « وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا » يقول : زادتهم تصديقا ، « وعلى ربهم يتوكلون » يقول : لا يرجون غيره . وسنرى من طبيعة هذه الصفات أنه لا يمكن أن يقوم بدونها الإيمان أصلا ؛ وأن الأمر فيها ليس أمر كمال الإيمان أو نقصه ؛ إنما هو أمر وجود الإيمان أو عدمه .
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
. . . إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر باللّه في أمر أو نهي ؛ فيغشاه جلاله ، وتنتفض فيه مخافته ؛ ويتمثل عظمة اللّه ومهابته ، إلى جانب تقصيره هو وذنبه ، فينبعث إلى العمل والطاعة . . . أو هي كما قالت أم الدرداء - رضي اللّه عنها - فيما رواه الثوري ، عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء قالت : « الوجل في القلب كاحتراق السعفة ، أما تجد له قشعريرة ؟ قال : بلى . قالت : إذا وجدت ذلك فادع اللّه عند ذلك . فإن الدعاء يذهب ذلك » . . إنها حال ينال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر ! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر باللّه في صدد أمر أو نهي ؛ فيأتمر معها وينتهي كما يريد اللّه ، وجلا وتقوى للّه .
« وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً »
. والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانا ، وما ينتهي به إلى الاطمئنان . . إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة ، ولا يحول بينه وبينه شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب ويحجب القلب عنه ؛ فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن ، ووجد في إيقاعاته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان « 1 » . . وكما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانا ، فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات التي تزيده إيمانا . . لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » *
. .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » *
. . ومن ذلك قول أحد الصحابة - رضوان اللّه عليهم - : كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن . . وبهذا الإيمان كانوا يجدون في القرآن ذلك المذاق الخاص ، يساعدهم عليه ذلك الجو الذي كانوا يتنسمونه ؛ وهم يعيشون القرآن فعلا وواقعا ؛ ولا يزاولونه مجرد تذوق وإدراك ! وفي الروايات الواردة في نزول الآية قول سعد بن مالك وقد طلب أن ينفله رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - السيف ، قبل أن ينزل القرآن الذي يرد ملكية الأنفال للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فيتصرف فيها بما يريد . وقد قال له : « إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه » فلما نودي سعد من ورائه بعد وضعه السيف وانصرافه ، توقع أن يكون اللّه - سبحانه - قد أنزل فيه شيئا ؛ قال : « قلت : قد أنزل اللّه فيّ شيئا » قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
هامش
( 1 ) هنا تعرض قضية : « الإيمان يزيد وينقص » وهي قضية من قضايا الفرق وقضايا علم الكلام في فترة الترف العقلي والفراغ من الاهتمامات العملية الجادة . . فلا ندخل نحن الآن فيها ! ! !