تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1472

مساهمون:

ص١٤٧٢
سارت المعركة ، وهم قلة لا عدد لها ولا عدة ، وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد . وكيف ثبتهم بمدد من الملائكة ، وبالمطر يستقون منه ويغتسلون ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال ، وبالنعاس يغشاهم فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان . وكيف ألقى في قلوب أعدائهم الرعب وأنزل بهم شديد العقاب . ومن ثم يأمر المؤمنين أن يثبتوا في كل قتال ، مهما خيل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم ، فإن اللّه هو الذي يقتل ، وهو الذي يرمي ، وهو الذي يدبر ، وإن هم إلا ستار لقدر اللّه وقدرته ، يفعل بهم ما يشاء . . ثم يسخر من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون ، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم ، فيقول لهم :
« إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ »
. ويحذر المؤمنين أن يتشبهوا بالمنافقين الذين يسمعون ولكنهم لا يسمعون ، لأنهم لا يستجيبون ! وينتهي الدرس بنداءات متكررة للذين آمنوا . ليستجيبوا للّه وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم - ولو خيل إليهم أنه الموت والقتل - وليذكرهم كيف كانوا قليلا مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس ، فآواهم وأيدهم بنصره ؛ وليعدهم أن يجعل لهم فرقانا في قلوبهم وفي حركتهم إن هم اتقوه . ذلك إلى تكفير السيئات وغفران الذنوب ؛ وما ينتظرهم من فضل اللّه الذي تتضاءل دونه الغنائم والأنفال . .
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ . قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ »
. . ذكرنا من قبل في التعريف الإجمالي بالسورة جانبا من الروايات التي وردت عن نزول هذه الآيات . ونضيف هنا إليها بعض الروايات ؛ زيادة في استحضار الجو الذي نزلت فيه السورة جملة ، والذي نزلت فيه الآيات الخاصة بالغنائم والأنفال بوجه خاص ؛ واستحضار الملامح الواقعية للجماعة المسلمة في أول وقعة كبيرة بعد قيام الدولة المسلمة في المدينة . قال ابن كثير في التفسير : روى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه - واللفظ له - وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا » . فتسارع في ذلك شبان القوم ، وبقي الشيوخ تحت الرايات . فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا رداء لكم ، لو انكشفتم لفئتم إلينا . فتنازعوا ، فأنزل اللّه تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ »
. . . إلى قوله :
« وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. . وقال الثوري ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما كان يوم بدر قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا » . فجاء أبو اليسير بأسيرين ، فقال : يا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنت وعدتنا . فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه ، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك . فتشاجروا ، ونزل القرآن :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ »
. . . قال : ونزل القرآن :