تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1444

مساهمون:

ص١٤٤٤
هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة ، في المراحل التاريخية المتجددة . ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية ، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل . وبعد ، فإن هناك بقية في بيان طبيعة « الجهاد في الإسلام » و « طبيعة هذا الدين » يمدنا بها المبحث المجمل القيم الذي أمدنا به المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان ، بعنوان « الجهاد في سبيل اللّه » . . وسنحتاج أن نقتبس منه فقرات طويلة ؛ لا غنى عنها لقارئ يريد رؤية واضحة دقيقة لهذا الموضوع الخطير العميق في بناء الحركة الإسلامية : « لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة « الجهاد » « بالحرب المقدسة » (
Holywar
) إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم . وقد فسروها تفسيرا منكرا . وتفننوا فيها ، وألبسوها ثوبا فضفاضا من المعاني المموهة الملفقة . وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء . وقد كان من لباقتهم ، وسحر بيانهم ، وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة ، أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة . . الجهاد . . تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة ، مصلتة سيوفها ، متقدة صدورها بنار التعصب والغضب ، متطايرا من عيونها شرار الفتك والنهب ، عالية أصواتها بهتاف : « اللّه أكبر » ، زاحفة إلى الأمام ، ما إن رأت كافرا حتى أمسكت بخناقه ، وجعلته بين أمرين : إما أن يقول كلمة : « لا إله إلا اللّه » فينجو بنفسه ، وإما أن يضرب عنقه ، فتشخب أوداجه دما ! « ولقد رسم الدهان هذه « الصورة » بلباقة فائقة ، وتفننوا فيها بريشة المتفنن المبدع ؛ وكان من دهائهم ولباقتهم في هذا الفن أن صبغوها بصبغ من النجيع الأحمر ، وكتبوا تحتها : « هذه الصورة مرآة لما كان بسلف هذه الأمة من شره إلى سفك الدماء ، وجشع إلى الفتك بالأبرياء » ! « والعجب كل العجب ، أن الذين عملوا على هذه الصورة ؛ وقاموا بما كان لهم من حظ موفور في إبرازها وعرضها على الأنظار ، هم هم الذين مضت عليهم قرون وأجيال يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إرضاء لشهواتهم الدنيئة وإطفاء لأوار مطامعهم الأشعبية ، وتلك هي حربهم الملعونة غير المقدسة (
UnholyWar
) التي أثاروها على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها ، وجاسوا خلال ديارهم يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لمستعمراتهم التي يريدون أن يستعمروها ، ويستبدوا بمنابع ثروتها دون أصحابها الشرعيين ، ويفتشون عن المناجم والمعادن ، وعما تغله أرض اللّه الواسعة من الحاصلات التي يمكن أن تكون غذاء لبطون مصانعهم ومعاملهم . يبحثون عن كل ذلك وقلوبهم كلها جشع وشره إلى المال والجاه . وبين أيديهم الدبابات المدججة ، وفوق رؤوسهم الطائرات المحلقة في جو السماء ، ووراء ظهورهم مئات الألوف من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها ، وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة ، يريدون بذلك أن يهيئوا وقودا لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهابا واضطرابا . فلم تكن حروبهم في « سبيل اللّه » ، وإنما كانت في سبل شهواتهم الدنيئة ، وأهوائهم الذميمة . . . « هذه هي حال الذين يصموننا بالغزو والقتال ، الذي سبق لنا من أعمال الفتوح والحروب قد مضت عليه أحقاب طويلة . أما أعمالهم المخزية هذه فلا يزالون يقترفونها ليل نهار بمرأى ومسمع من العالم « المتحضر المتمدن ! » . وأي بلاد اللّه ، يا ترى ، قد سلمت من عدوانهم ، وما تخضبت أراضيها بدماء أبنائها الزكية ؟ وأية هذه القارات العظيمة من آسيا وإفريقية وأمريكا ما ذاقت وبال حروبهم الملعونة ؟ . . لكن هؤلاء الدهاة