تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1442

مساهمون:

ص١٤٤٢
هذا كله حق . . ووفق هذه النظرة يكون لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده . ولا بد أن يخوض معركة دفاعية مفروضة عليه فرضا . . ولكن هناك حقيقة أخرى أشد أصالة من هذه الحقيقة . . إن من طبيعة الوجود الإسلامي ذاته أن يتحرك إلى الأمام ابتداء ؛ لإنقاذ « الإنسان » في « الأرض » من العبودية لغير اللّه . ولا يمكن أن يقف عند حدود جغرافية ؛ ولا أن ينزوي داخل حدود عنصرية ؛ تاركا « الإنسان » . . نوع الإنسان . . في « الأرض » . . كل الأرض . . للشر والفساد والعبودية لغير اللّه . إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيء عليها زمان تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام ، إذا تركها الإسلام تزاول عبودية البشر للبشر داخل حدودها الإقليمية ؛ ورضي أن يدعها وشأنها ولم يمد إليها دعوته وإعلانه التحريري العام ! . . ولكن الإسلام لا يهادنها ، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه في صورة أداء الجزية ، ضمانا لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها . هذه طبيعة هذا الدين ، وهذه وظيفته بحكم أنه إعلان عام لربوبية اللّه للعالمين وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير اللّه في الناس أجمعين ! وفرق بين تصور الإسلام على هذه الطبيعة ، وتصوره قابعا داخل حدود إقليمية أو عنصرية ، لا يحركه إلا خوف الاعتداء ! إنه في هذه الصورة الأخيرة يفقد مبرراته الذاتية في الانطلاق ! إن مبررات الانطلاق الإسلامي تبرز بوضوح وعمق عند تذكر أن هذا الدين هو منهج اللّه للحياة البشرية ، وليس منهج إنسان ، ولا مذهب شيعة من الناس ، ولا نظام جنس من الأجناس ! . . ونحن لا نبحث عن مبررات خارجية إلا حين تفتر في حسنا هذه الحقيقة الهائلة . . حين ننسى أن القضية هي قضية ألوهية اللّه وعبودية العباد . . إنه لا يمكن أن يستحضر إنسان ما هذه الحقيقة الهائلة ثم يبحث عن مبرر آخر للجهاد الإسلامي ! والمسافة قد لا تبدو كبيرة عند مفرق الطريق ، بين تصور أن الإسلام كان مضطرا لخوض معركة لا اختيار له فيها ، بحكم وجوده الذاتي ووجود المجتمعات الجاهلية الأخرى التي لا بد أن تهاجمه . وتصور أنه هو بذاته لا بد أن يتحرك ابتداء ، فيدخل في هذه المعركة . . المسافة عند مفرق الطريق قد لا تبدو كبيرة . فهو في كلتا الحالتين سيدخل المعركة حتما . ولكنها في نهاية الطريق تبدو هائلة شاسعة ، تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييرا كبيرا . . خطيرا . . إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجا إلهيا ، جاء ليقرر ألوهية اللّه في الأرض ، وعبودية البشر جميعا لإله واحد ، ويصب هذا التقرير في قالب واقعي ، هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد ، بالعبودية لرب العباد ، فلا تحكمهم إلا شريعة اللّه ، التي يتمثل فيها سلطان اللّه ، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته . . فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه ، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي ، أو أوضاع الناس الاجتماعية . . إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو ، واعتباره نظاما محليا في وطن بعينه . فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية ! هذا تصور . . وذاك تصور . . ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد . . ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه ، يختلف اختلافا بعيدا ، يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه .
في ظلال القرآن — صفحة 1442 | سيد قطب