تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1441

مساهمون:

ص١٤٤١
وإنه ليكفي أن يخرج المسلم مجاهدا بنفسه وماله . .
« فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
. في سبيل هذه القيم التي لا يناله هو من ورائها مغنم ذاتي ؛ ولا يخرجه لها مغنم ذاتي . . إن المسلم قبل أن ينطلق للجهاد في المعركة يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه مع الشيطان . . مع هواه وشهواته . . مع مطامعه ورغباته . . مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه . . مع كل شارة غير شارة الإسلام . . ومع كل دافع إلا العبودية للّه ، وتحقيق سلطانه في الأرض وطرد سلطان الطواغيت المغتصبين لسلطان اللّه . . والذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية « الوطن الإسلامي » يغضون من شأن « المنهج » ويعتبرونه أقل من « الموطن » ! وهذه ليست نظرة الإسلام إلى هذه الاعتبارات . . إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي ، فالعقيدة والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة في الحس الإسلامي . أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن ! وكل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج اللّه وسلطانه فيها . وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و « دار الإسلام » ونقطة الانطلاق لتحرير « الإنسان » . . وحقيقة أن حماية « دار الإسلام » حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج . ولكنها هي ليست الهدف النهائي . وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي . إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة اللّه فيها . ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها ، وإلى النوع الإنساني بجملته . فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين ، والأرض هي مجاله الكبير ! وكما أسلفنا فإن الانطلاق بالمنهج الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ، ونظام المجتمع ، وأوضاع البيئة . . وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة . كي يخلو له وجه الأفراد من الناس ، يخاطب ضمائرهم وأفكارهم ، بعد أن يحررها من الأغلال المادية ؛ ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار . . يجب ألا تخدعنا أو تفزعنا حملات المستشرقين على مبدأ « الجهاد » ، وألا يثقل على عاتقنا ضغط الواقع وثقله في ميزان القوى العالمية ، فنروح نبحث للجهاد الإسلامي عن مبررات أدبية خارجة عن طبيعة هذا الدين ، في ملابسات دفاعية وقتية ، كان الجهاد سينطلق في طريقه سواء وجدت هذه الملابسات أم لم توجد ! ويجب ونحن نستعرض الواقع التاريخي ألا نغفل عن الاعتبارات الذاتية في طبيعة هذا الدين وإعلانه العام ومنهجه الواقعي . . وألا نخلط بينها وبين المقتضيات الدفاعية الوقتية . . حقا إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له . لأن مجرد وجوده ، في صورة إعلان عام لربوبية اللّه للعالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه ، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية ، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية ، لأن الحاكمية فيه للّه وحده . . إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله ، القائمة على قاعدة العبودية للعباد ، أن تحاول سحقه ، دفاعا عن وجودها ذاته . ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه . . هذه ملابسة لا بد منها . تولد مع ميلاد الإسلام ذاته . وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضا ، ولا خيار له في خوضها . وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلا . .
في ظلال القرآن — صفحة 1441 | سيد قطب