تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1446

مساهمون:

ص١٤٤٦
لهذه النحلة والانتصار لعقيدتها فلك أن تخترق الأرض ، وتجوب بلاد اللّه الشاسعة ، داعيا إلى عقيدتها ، مدافعا عن كيانها بالحجج والبراهين ، مجادلا من يخالفونك فيها بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام . أما السيف وآلات الحرب والقتال ، فما لك وما لها في هذا الشأن ؟ أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك ؟ ! وإن كان الإسلام نحلة (
Religion
) كنحل العالم ، على حسب الاصطلاح الشائع عندهم كما يزعمون ، فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب ، كما قالوا . ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا لما كان فيه مساغ للجهاد ، ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر ؛ لكن الأمر على خلاف ذلك ، كما سوف تعرفه فيما يأتي من البيان . وكذلك كلمة « الأمة » (
Nation
) فما هي إلا عبارة عن طائفة من الناس متوافقة فيما بينها (
Homogeneous . Groupof . Men
) اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية . فالطائفة التي تكون « أمة » ، بهذا المعنى ، لا يبعثها على استخدام السيف إلا أمران : إما أن يعتدي عليها أحد ، ويريد أن يسلبها حقوقها المعروفة ؛ وإما أن تحمل هي بنفسها على طائفة أخرى لتنتزع من يدها حقوقها المعروفة . ففي الصورة الأولى منهما ، لها سعة في الأمر ، وهي لا تخلو من وازع خلقي يلجئها إلى استخدام السيف والبطش بمن اعتدى عليها . وإن كان بعض المتشدقين بالأمن والسلام لا يبيح ذلك أيضا ! - أما الصورة الثانية - أي الاعتداء على حقوق غيرها والإغارة على الشعوب والأمم من غير ما سبب - فلا يبيحها غير الجبابرة المسيطرين (
Dictators
) حتى إن ساسة الدول الكبرى كبريطانيا وأمريكا أيضا لا يقدرون أن يجترئوا على القول بجوازها ! « فإن كان الإسلام « نحلة » كالنحل الأخرى ، والمسلمون « أمة » كغيرهم من أمم العالم ، فلا جرم أن « الجهاد » الإسلامي يفقد بذلك جميع المزايا والخصائص التي جعلته رأس العبادات ودرة تاجها . . لكن الحقيقة أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائجة ، وأن المسلمين ليسوا بأمة كأمم العالم . . بل الأمر أن الإسلام فكرة انقلابية (
Revolutionary
) ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد ، ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي . . ومن هناك تعرف أن لفظ « المسلم » وصف للحزب الانقلابي العالمي (
International . Revolution . aryparty
) الذي يكونه الإسلام ، وينظم صفوفه ، ليكون أداة في إحداث ذلك البرنامج الانقلابي الذي يرمي إليه الإسلام ، ويطمح إليه ببصره . والجهاد عبارة عن الكفاح الانقلابي (
Revolutionary . Struggle
) عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية ، وإدراك هذا المبتغى . « والإسلام يتجنب الكلمات الشائعة في دعوته وبيان منهجه العملي - شأن غيره من الدعوات الفكرية والمناهج الانقلابية - بل يؤثر لذلك لغة من المصطلحات (
Terminology
) خاصة ، لئلا يقع الالتباس بين دعوته وما إليها من الأفكار والتصورات ، وبين الأفكار والتصورات الشائعة الرائجة . « فالجهاد » أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لأداء مهمته وتبيين تفاصيل دعوته . فأنت ترى أن الإسلام قد تجنب لفظة ( الحرب ) وغيرها من الكلمات التي تؤدي معنى القتال (
War
) في اللغة العربية ، واستبدل بها كلمة (
Struggle
) في اللغة الإنجليزية . غير أن لفظة ( الجهاد ) أبلغ منها تأثيرا ، وأكثر منها إحاطة بالمعنى المقصود . فما الذي أفضى بالإسلام إلى أن يختار هذه الكلمة الجديدة ، صارفا بوجهه عن الكلمات القديمة الرائجة ؟ الذي أراه وأجزم به أنه ليس لذلك إلا سبب واحد : وهو أن لفظة « الحرب » (
War
) كانت ولا تزال تطلق على القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية . والغايات التي ترمي إليها أمثال هذه الحروب لا تعدو أن تكون مجرد أغراض شخصية أو اجتماعية ، لا تكون