فيها رائحة لفكرة أو انتصار لمبدأ . وبما أن القتال المشروع في الإسلام ليس من قبيل هذه الحروب ، لم يكن له بد من ترك هذه اللفظة ( الحرب ) البتة . فإن الإسلام لا ينظر إلى مصلح أمة دون أمة ، ولا يقصد إلى النهوض بشعب دون شعب ؛ وكذلك لا يهمه في قليل ولا كثير أن تملك الأرض وتستولي عليها هذه المملكة أو تلك ؛ وإنما تهمه سعادة البشر وفلاحهم . وله فكرة خاصة ومنهاج عملي مختار لسعادة المجتمع البشري والصعود به إلى معارج الفلاح . فكل حكومة مؤسسة على فكرة غير هذه الفكرة ، ومنهاج غير هذا المنهاج ، يقاومها الإسلام ، ويريد أن يقضي عليها قضاء مبرما ؛ ولا يعنيه في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت فيها تلك الحكومة غير المرضية ، أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها . فإن غايته استعلاء فكرته ، وتعميم منهاجه ، وإقامة الحكومات وتوطيد دعائمها على أساس هذه الفكرة وهذا المنهاج ، بصرف النظر عمن يحمل لواء الحق والعدل بيده ومن تنتكس راية عدوانه وفساده ! والإسلام يتطلب « الأرض » ، ولا يقنع بقطعة أو جزء منها ؛ وإنما يتطلب ويستدعي المعمورة الأرضية كلها . ولا يتطلبها لتستولي عليها وتستبد بمنابع ثروتها أمة بعينها بعد ما تنتزع من أمة أو أمم شتى ، بل يتطلبها الإسلام ويستدعيها ليتمتع الجنس البشري بأجمعه بفكرة السعادة البشرية ومنهاجها العملي اللذين أكرمه اللّه بهما ، وفضله بهما على سائر الأديان والشرائع . وتحقيقا لهذه الغاية السامية يريد الإسلام أن يستخدم جميع القوى والوسائل التي يمكن استخدامها لإحداث انقلاب علمي شامل ؛ ويبذل الجهد المستطاع للوصول إلى هذه الغاية العظمى ؛ ويسمي هذا الكفاح المستمر ، واستنفاد القوى البالغ واستخدام شتى الوسائل المستطاعة « بالجهاد » . فالجهاد كلمة جامعة تشتمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد . وإذا عرفت هذا فلا تعجب إذا قلت : إن تغيير وجهات أنظار الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم ، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة مرهفات الأقلام نوع من أنواع الجهاد ، كما أن القضاء على نظم الحياة العتيقة الجائرة بحد السيوف ، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل والنصفة أيضا من أصناف الجهاد . وكذلك بذل الأموال ، وتحمل المشاق ، ومكابدة الشدائد أيضا فصول وأبواب مهمة من كتاب « الجهاد » العظيم .
« لكن الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لا غاية له ؛ وإنما هو الجهاد في سبيل اللّه ؛ وقد لزمه هذا الشرط لا ينفك عنه أبدا . وذلك أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لتبيين فكرته وإيضاح تعاليمه ، كما أشرت إليه آنفا . وقد انخدع كثير من الناس بمدلوله اللغوي الظاهر ، وحسبوا أن إخضاع الناس لعقيدة الإسلام وإكراههم على قبولها هو « الجهاد في سبيل اللّه » وذلك أن ضيق صدورهم وعدم اتساع مجال تفكيرهم يعوقهم أن يسموا بأنفسهم فوق ذلك ويحلقوا في سماء أوسع من سمائهم . لكن الحق أن « سبيل اللّه » في المصطلح الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما يتصورون ، وأسمى غاية وأبعد مراما مما يظنون ويزعمون . .
« فالذي يتطلبه الإسلام أنه إذا قام رجل ، أو جماعة من المسلمين ، تبذل جهودها ، وتستنفد مساعيها للقضاء على النظم البالية الباطلة ، وتكوين نظام جديد حسب الفكرة الإسلامية ، فعليها أن تكون مجردة عن كل غرض ، مبرأة من كل هوى أو نزعة شخصية ، لا تقصد من وراء جهودها ، وما تبذل في سبيل غايتها من النفوس والنفائس إلا تأسيس نظام عادل يقوم بالقسط والحق بين الناس ، ولا تبتغي بها بدلا في هذه الحياة الفانية ، ولا يكون من هم الإنسان خلال هذا الكفاح المستمر والجهاد المتواصل لإعلاء كلمة اللّه أن ينال جاها وشرفا أو سمعة وحسن أحدوثة ، ولا يخطرن بباله أثناء هذه الجهود البالغة والمساعي الغالية أن يسمو بنفسه وعشيرته ، ويستبد بزمام الأمر ، ويتبوأ منصب الطواغيت الفجرة ، بعد ما يعزل غيره من الجبابرة المستكبرين عن مناصبهم . وها هو ذا القرآن الكريم ينادي بملء صوته :
« الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ »
. . . ( النساء : 76 )