رسموا صورتنا بلباقة منكرة ، وأبدءوا وأعادوا في عرضها بشكل هائل بشع ، وقد سحب ذيل النسيان على صورتهم الدميمة ، حتى لا يكاد يذكرها أحد بجنب الصورة المنكرة التي صوروا بها تاريخنا ومآثر أسلافنا .
فما أعظم دهاءهم ! وما أبرعهم في التزوير والتمويه ! « أما سذاجتنا وبله رجالنا ، فحدث عن البحر ولا حرج ! وأي بله أعظم من اغترارنا بالصورة المنكرة التي صوروا بها مآثرنا حتى كدنا نؤمن بصحتها ومطابقتها للحقيقة ؟ وما دار بخلدنا أن ننظر إلى الأيدي الأثيمة التي عملت عملها في رسم هذه الصورة المزورة ، وأن نبحث عن الأقلام الخفية التي تفننت في تمويهها وزخرفتها .
وقد بلغ من اغترارنا بتزويرهم ، وانخداعنا بتلك الصورة المموهة أن اعترانا الخجل والندامة ، وعدنا نعتذر إلى القوم ، نبدل كلام اللّه ، ونحرف الكلم عن مواضعه ، ونقول لهم : « ما لنا وللقتال ، أيها السادة ، إنما نحن دعاة مبشرون ، ندعو إلى دين اللّه ، دين الأمن والسلام والدعة بالحكمة والموعظة الحسنة ، نبلغ كلام اللّه تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية ، ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن ، بالخطب والرسائل والمقالات حتى يؤمن من يؤمن بدعوتنا عن بينة ! هذه هي دعوتنا لا تزيد ولا تنقص ! أما السيف والقتال به فمعاذ اللّه أن نمت إليه بصلة . اللهم إلا أن يقال : إننا ربما دافعنا عن أنفسنا حينما اعتدى علينا أحد ! ذلك أيضا قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة . أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضا ! ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد « رسميا » ! ذلك الجهاد الممقوت الذي يعمل فيه السيف عمله ! حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع ! فما الجهاد اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم ؛ وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام ! أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من آلات الحرب واستخدامها ، فأنتم أحق بها وأهلها ! » .
« هذه مكايدهم السياسية التي كشفنا لك القناع عن بعضها فيما تقدم . لكنا إذا أنعمنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية ، ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة « الجهاد في سبيل اللّه » ، واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم فضلا عن غير المسلمين ، لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين لم يسبروا غورهما ، ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة :
« فالأول : أنهم ظنوا الإسلام نحلة (
Religion
) بالمعنى الذي تطلق عليه كلمة « النحلة » (
Religion
) عامة . .
« والثاني : أنهم حسبوا المسلمين أمة « 1 » (
Nation
) بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة في عامة الأحوال .
« فالحقيقة أن خطأ القوم في فهم هذين الأمرين المهمين ، وعدم استجلائهم لوجه الحق في هاتين المسألتين الأساسيتين هو الذي شوه وجه الحقيقة الناصعة في هذا الشأن ، وعاقهم عن إدراك مغزى الجهاد الإسلامي .
بل الحق - والحق أحق أن يتبع - أن هذا الخطأ الأساسي في فهم هاتين المسألتين قد أرخى سدوله على حقيقة الدين الإسلامي بأسره ، وقلب الأمر ظهرا لبطن ، وجعل موقف المسلمين من العالم ومسائله المتجددة ومشاكله المتشعبة حرجا ضيقا ، لا يرضاه الإسلام وتعاليمه الخالدة :
« فالنحلة « 2 » (
Religion
) على حسب الاصطلاح الشائع عندهم ، لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر . ولا جرم أن « النحلة » بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية . فأنت حر فيما تختاره من العقيدة ؛ ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به ربا لنفسك . وإن أبت نفسك إلا التحمس
هامش
( 1 ) يعني أمة قومية وهي التي تطلق عليها لفظةNationوإلا فالمسلمون « أمة » بالمصطلح الإسلامي وهي الجماعة من الناس المتجمعة على عقيدة الإسلام ، المنتظمة في تجمع قائم على هذا الأساس ، الخاضعة لقيادة تنفذ شريعة اللّه .
( 2 ) وردت في الأصل كلمة : « مذهب » التي ترادفها لفظة : (Religion) في الإنجليزية . . المترجم .