والعبودية للّه غاية الوجود الإنساني - وما باللّه سبحانه من حاجة إلى تضرع العباد وإعلان العبودية :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ »
. .
ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على طاعة اللّه ما زاد هذا في ملكه شيئا . ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على معصيته - سبحانه - ما نقصوا في ملكه شيئا ( كما جاء في الحديث القدسي ) . .
ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم للّه إنما يصلحهم هم ؛ ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك . . فمتى أعلن الناس عبوديتهم للّه تحرروا من العبودية لسواه . . تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد ليغويهم - كما جاء في أوائل السورة - وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم . وتحرروا من العبودية للعبيد من أمثالهم ؛ واستحيوا أن يتبعوا خطوات الشيطان ؛ واستحيوا أن يغضبوا اللّه بعمل أو نية وهم يتجهون إليه في الشدة ويتضرعون ، واستقاموا على الطريقة التي تحررهم وتطهرهم وتزكيهم ، وترفعهم من العبودية للهوى والعبودية للعبيد ! لذلك اقتضت مشيئة اللّه أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبيا فتكذبه ، بالبأساء في أنفسهم وأرواحهم ، وبالضراء في أبدانهم وأموالهم . استحياء لقلوبهم بالألم . والألم خير مهذب ، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة ، وخير مرهف للحساسية في الضمائر الحية ، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق . .
« لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ »
. .
« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ »
. .
فإذا الرخاء مكان الشدة ، واليسر مكان العسر ، والنعمة مكان الشظف ، والعافية مكان الضر ، والذرية مكان العقر ، والكثرة مكان القلة ، والأمن مكان الخوف . وإذا هو متاع ورخاء ، وهينة ونعماء ، وكثرة وامتلاء . . وإنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء . .
والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون ، ويحتمل مشقاته الكثيرون . فالشدة تستثير عناصر المقاومة وقد تذكر صاحبها باللّه - إن كان فيه خير - فيتجه إليه ويتضرع بين يديه ، ويجد في ظله طمأنينة ، وفي رحابه فسحة ، وفي فرجه أملا ، وفي وعده بشرى . . فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون . فالرخاء ينسي ، والمتاع يلهي ، والثراء يطغي . فلا يصبر عليه إلا الأقلون من عباد اللّه .
« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ، وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ »
. .
أي حتى كثروا وانتشروا ، واستسهلوا العيش ، واستيسروا الحياة : ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه ، ولا تخوفا من أمر يصنعونه . . والتعبير : « عفوا » - إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة : حالة قلة المبالاة . حالة الاستخفاف والاستهتار . حالة استسهال كل أمر ، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء . . وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة ، حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفرادا وأمما - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئا ، أو تحسب حسابا لشيء . فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر ، ويلهون في يسر ، ويبطشون كذلك في استهتار ! ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان ، في يسر واطمئنان ! وهم لا يتقون غضب اللّه ، ولا لوم الناس ، فكل شيء يصدر منهم عفوا بلا تحرج ولا مبالاة . وهم لا يفطنون لسنة اللّه في الكون ، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس . ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافا ، بلا سبب معلوم ، وبلا قصد مرسوم :
« وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ »
. .