ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم ، فإنما تنتظرهم سنة اللّه التي لا تتبدل ، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون .
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « تلك القرى نقص عليك من أنبائها . . . » لإظهاره على سنة اللّه فيها ، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :
« وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
. . فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة اللّه كلها ، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها . .
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ، وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ . فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؛ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. .
إن السياق القرآني هنا لا يروي حادثة ، إنما يكشف عن سنة . ولا يعرض سيرة قوم إنما يعلن عن خطوات قدر . . ومن ثم يتكشف أن هناك ناموسا تجري عليه الأمور ؛ وتتم وفقه الأحداث ؛ ويتحرك به تاريخ « الإنسان » في هذه الأرض . وأن الرسالة ذاتها - على عظم قدرها - هي وسيلة من وسائل تحقيق الناموس - وهو أكبر من الرسالة وأشمل - وأن الأمور لا تمضي جزافا ؛ وأن الإنسان لا يقوم وحده في هذه الأرض - كما يزعم الملحدون باللّه في هذا الزمان ! - وأن كل ما يقع في هذا الكون إنما يقع عن تدبير ، ويصدر عن حكمة ، ويتجه إلى غاية . وأن هنا لك في النهاية سنة ماضية وفق المشيئة الطليقة ؛ التي وضعت السنة ، وارتضت الناموس . .
ووفقا لسنة اللّه الجارية وفق مشيئته الطليقة كان من أمر تلك القرى ما كان ، مما حكاه السياق . ويكون من أمر غيرها ما يكون ! إن إرادة الإنسان وحركته - في التصور الإسلامي - عامل مهم في حركة تاريخه وفي تفسير هذا التاريخ أيضا .
ولكن إرادة الإنسان وحركته إنما يقعان في اطار من مشيئة اللّه الطليقة وقدره الفاعل . . واللّه بكل شيء محيط . .
وإرادة الإنسان وحركته - في اطار المشيئة الطليقة والقدر الفاعل - يتعاملان مع الوجود كله ؛ ويتأثران ويؤثران في هذا الوجود أيضا . . فهناك زحمة من العوامل والعوالم المحركة للتاريخ الإنساني ؛ وهناك سعة وعمق في مجال هذه الحركة ؛ مما يبدو إلى جانبه « التفسير الاقتصادي للتاريخ » ، و « التفسير البيولوجي للتاريخ » ، و « التفسير الجغرافي للتاريخ » . . . بقعا صغيرة في الرقعة الكبيرة . وعبثا صغيرا من عبث الإنسان الصغير ! « 1 » .
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ »
. .
فليس للعبث - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - يأخذ اللّه عباده بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم . وليس لإرواء غلة ولا شفاء إحنة - كما كانت أساطير الوثنيات تقول عن آلهتها العابثة الحاقدة « 2 » ! إنما يأخذ اللّه المكذبين برسله بالبأساء والضراء ، لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى ؛ وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد متى كانت فيها بقية ؛ وأن يتجه بالبشر الضعاف إلى خالقهم القهار ؛ يتضرعون إليه ؛ ويطلبون رحمته وعفوه ؛ ويعلنون بهذا التضرع عن عبوديتهم له -
هامش
( 1 ) يراجع ما جاء عن هذا الموضوع في الجزء الثامن ص 1270 - 1276
( 2 ) يراجع في القسم الأول من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » فصل : « تيه وركام » وفصل « الإيجابية » . « دار الشروق » .