تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1335

مساهمون:

ص١٣٣٥

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 102 ]

وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب . . وقفة لبيان سنة اللّه التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - وهي سنة واحدة يأخذ اللّه بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل . . أن يأخذ اللّه المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى اللّه ، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة . فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء ، وفتح عليهم الأبواب ، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون . . كل ذلك للابتلاء . . حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص ، وإلى الغفلة وقلة المبالاة ، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافا بلا قصد ولا غاية ، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء ، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :
« وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ »
! أخذهم اللّه بغتة ، وهم سادرون في هذه الغفلة . لم يدركوا حكمة اللّه في الابتلاء بالضراء والسراء ، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد ، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين ، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس اللّه . . ولو أنهم آمنوا باللّه واتقوه لتبدلت الحال ، ولحلت عليهم البركات ، ولأفاض اللّه عليهم من رزقه في السماء والأرض ، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة ، ولا يعقبه النكال والبوار . . ثم يحذر اللّه الذين يرثون الأرض من بعد أهلها . . يحذرهم الغفلة والغرة ، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى ،
في ظلال القرآن — صفحة 1335 | سيد قطب