تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1334

مساهمون:

ص١٣٣٤
آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما . فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ؟ »
. . إنه تمثيل للأجيال المتلاحقة بصورة الحالات المتتابعة في النفس الواحدة . . وهو تصوير ذو دلالات عجيبة في صدقها وفي جمالها جميعا . . ولأن المقصود هو تمثيل حالة المشركين الذين كان هذا القرآن يواجههم فإن السياق ينتقل مباشرة من المثل إلى مخاطبتهم مواجهة ، ويوجه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تحديهم هم وآلهتهم :
« وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ، فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ؟ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ؟ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ؟ قُلِ : ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ . إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا . وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ »
. . وفي نهاية السورة يتجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإلى الأمة المسلمة . يوجهه إلى اليسر في أخذ الناس في هذه الدعوة ؛ ونهنهة النفس عن الغضب مما يبدر منهم من تقاعس واعتراض ؛ والاستعاذة من الشيطان الذي يثير الغضب ويحنق الصدر :
« خُذِ الْعَفْوَ . وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ؛ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ . وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ . وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا : لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ! قُلْ : إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ، هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. . وهذا التوجيه يذكرنا بما ورد في مطلع السورة :
« كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ، لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ »
. . فهو يشي بثقل هذا العبء - عبء دعوة الناس ، ومواجهة ما في نفوسهم من رواسب وركام وعقابيل ، والتواءات وأغراض وشهوات ، وغفلة وثقلة وتقاعس . . وضرورة الصبر . . وضرورة اليسر . . وضرورة السير أيضا في الطريق ! ثم توجيه إلى الزاد المعين على مشاق الطريق . . الاستماع والإنصات إلى القرآن . . وذكر اللّه في كل آن وفي كل حال . والحذر من الغفلة . والاقتداء بالمقربين من الملائكة في الذكر والعبادة :
« وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ، وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ . إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ »
. . إنه زاد الطريق . وأدب العبادة . ومنهج المقربين الموصولين . . وحسبنا هذه الإشارات المجملة لنواجه النصوص بالتفصيل . .
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ . . .
« 1 »
هامش
( 1 ) سبق تفسير الآيات من 88 - 93 من هذا الجزء في نهاية الجزء الثامن تكملة لقصة شعيب .