تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1340

مساهمون:

ص١٣٤٠
وبركات في طيبات الحياة . . بركات تنمي الحياة وترفعها في آن . وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال « 1 » . وبعد أن يقرر السياق القرآني تلك السنة الجارية . التي يشهد بها تاريخ القرى الخالية . وفي اللحظة التي تنتفض فيها المشاعر ، ويرتعش فيها الوجدان ، على مصارع المكذبين الذين لم يؤمنوا ولم يتقوا ؛ وغرهم ما كانوا فيه من رخاء ونعماء ، فغفلوا عن حكمة اللّه في الابتلاء . . في هذه اللحظة يتجه إلى الغافلين السادرين ، يوقظ فيهم مشاعر الترقب أن يأتيهم بأس اللّه في أية لحظة من ليل أو نهار ، وهم سادرون في النوم واللهو والمتاع :
« أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ؟ أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ؟ أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ . أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
. . أفأمن أهل القرى - وتلك سنة اللّه في الابتلاء بالضراء والسراء ، والبأساء والنعماء ، وتلك مصارع المكذبين السادرين ، الذين كانوا قبلهم يعمرون هذه القرى ثم تركوها فخلفوهم فيها - أفأمنوا أن يأتيهم بأس اللّه في غفلة من غفلاتهم ، وغرة من غراتهم ؟ أفأمنوا أن يأتيهم بأس اللّه بالهلاك والدمار . . بياتا وهم نائمون . . والإنسان في نومه مسلوب الإرادة ، مسلوب القوة ، لا يملك أن يحتاط ولا يملك أن يدفع عادية من حشرة صغيرة . . فكيف ببأس اللّه الجبار ؟ الذي لا يقف له الإنسان في أشد ساعات صحوه واحتياطه وقوته ؟ أفأمنوا أن يأتيهم بأس اللّه . . ضحى وهم يلعبون . . واللعب يستغرق اليقظة والتحفز ، ويلهي عن الأهبة والاحتياط . فلا يملك الإنسان ، وهو غارّ في لعبه ، أن يدفع عن نفسه مغيرا . فكيف بغارة اللّه التي لا يقف لها الإنسان وهو في أشد ساعات جده وتأهبه للدفاع ؟ وإن بأس اللّه لأشد من أن يقفوا له نائمين أم صاحين . لاعبين أم جادين . ولكن السياق القرآني يعرض لحظات الضعف الإنساني ، ليلمس الوجدان البشري بقوة ، ويثير حذره وانتباهه ، حين يترقب الغارة الطامة الغامرة ، في لحظة من لحظات الضعف والغرة والفجاءة . وما هو بناج في يقظة أو غرة . فهذه كتلك أمام بأس اللّه سواء !
« أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؟ »
. وتدبيره الخفي المغيب على البشر . . ليتقوه ويحذروه . .
« فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »
. . فما وراء الأمن والغفلة والاستهتار إلا الخسار . وما يغفل عن مكر اللّه هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار ! أفأمنوا مكر اللّه ؛ وهم يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين ، الذين هلكوا بذنوبهم ، وجنت عليهم غفلتهم ؟ أما كانت مصارع الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم ؟
« أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
. . إن سنة اللّه لا تتخلف ؛ ومشيئة اللّه لا تتوقف . فما الذي يؤمنهم أن يأخذهم اللّه بذنوبهم كما أخذ من قبلهم ؟
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » للمؤلف . وفصل « شهادة التاريخ » وفصل : « شهادة القرن العشرين » في كتاب : « التطور والثبات » لمحمد قطب . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1340 | سيد قطب