تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1338

مساهمون:

ص١٣٣٨
وقد أخذنا دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء ! وها هي ذي ماضية بلا عاقبة ، فهي تمضي هكذا خبط عشواء ! عندئذ . . وفي ساعة الغفلة السادرة ، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان ، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية :
« فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
. . جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن اللّه ؛ وأطلقوا لشهواتهم العنان ، فما عادوا يتحرجون من فعل ، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال ! هكذا تمضي سنة اللّه أبدا . وفق مشيئته في عباده . وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في اطار سنة اللّه ومشيئته - وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة ؛ ويحذرهم الفتنة . . فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء . . وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة ، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف ، جزاء وفاقا على اتجاههم وكسبهم . فمن لم يتيقظ ، ومن لم يتحرج ، ومن لم يتق ، فهو الذي يظلم نفسه ، ويعرضها لبأس اللّه الذي لا يرد . ولن تظلم نفس شيئا .
« وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . فذلك هو الطرف الآخر لسنة اللّه الجارية . فلو أن أهل القرى آمنوا بدل التكذيب ، واتقوا بدل الاستهتار ؛ لفتح اللّه عليهم بركات من السماء والأرض . . هكذا . . « بركات من السماء والأرض » مفتوحة بلا حساب . من فوقهم ومن تحت أرجلهم . والتعبير القرآني بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر ، الذي لا يتخصص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات . . وأمام هذا النص - والنص الذي قبله - نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشرية والكونية سواء . وأمام عامل من العوامل المؤثرة في تاريخ الإنسان ، تغفل عنه المذاهب الوضعية وتغفله كل الإغفال . بل تنكره كل الإنكار ! . . إن العقيدة الإيمانية في اللّه ، وتقواه ، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة ، وعن خط تاريخ الإنسان . إن الإيمان باللّه ، وتقواه ، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض . وعدا من اللّه . ومن أوفى بعهده من اللّه ؟ ونحن - المؤمنين باللّه - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن ، فنصدقه ابتداء ، لا نسأل عن علله وأسبابه ؛ ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله . . نحن نؤمن باللّه - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان . . ثم ننظر إلى وعد اللّه نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه ! إن الإيمان باللّه دليل على حيوية في الفطرة ؛ وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية ؛ وصدق في الإدراك الإنساني ، وحيوية في البنية البشرية ، ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود . . وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية . والإيمان باللّه قوة دافعة دافقة ، تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها ، وتتجه بها إلى وجهة واحدة ، وتطلقها تستمد من قوة اللّه ، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها ، وفي دفع الفساد والفتنة عنها ، وفي ترقية الحياة ونمائها . . وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية .
في ظلال القرآن — صفحة 1338 | سيد قطب