والنكبات كذلك تتوالى عليهم من الجدب والآفات والجوع والبلاء . . ولكن هذا كله كان عندهم أيسر وأهون من التسليم بربوبية اللّه للعالمين . لما تحويه من مدلول صريح بعزلهم هم عن مزاولة هذا السلطان المغتصب ، الذي يعبدون به الناس لغير رب العالمين ! كذلك تتجلى من خلال عرض هذه الآيات خطوات قدر اللّه بالمكذبين . . من أخذهم بالبأساء والضراء .
ثم أخذهم بالرخاء والسراء . ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر في نهاية المطاف ! والتمكين للمؤمنين الذين كانوا يستضعفون :
« وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ »
. .
* ولكن بني إسرائيل غلبت عليهم جبلتهم الملتوية الخبيثة . ففسقوا عن أمر اللّه - كما يجلو السياق القرآني ذلك - وراوغوا موسى نبيهم وزعيمهم ومنقذهم مراوغة مؤذية ؛ وعصوا وبطروا النعمة ولم يستقيموا ولم يشكروا ؛ وتكرر منهم ذلك كله بعد مغفرة اللّه لهم وقبولهم مرة بعد مرة ، إلى أن حقت عليهم كلمة اللّه في النهاية :
« وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ . إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
. .
ولقد صدق وعيد اللّه . . ولا بد أن يصدق في مقبل الأيام . . وإنما هي دورات لهم في التاريخ . حتى إذا عتوا وأفسدوا وتجبروا واشتد أذاهم ، بعث اللّه عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ! * وأخيرا فإن هذه السورة مكية . وقد ورد فيها عن التواء بني إسرائيل ومعصيتهم وسوء جبلتهم الكثير . .
بينما يزعم المستشرقون - اليهود والصليبيون سواء - أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - لم يهاجم اليهود - بزعمهم - بهذا القرآن إلا بعد أن يئس في المدينة من استجابتهم له . وأنه كان يحاسنهم في مكة ، وفي أول عهده بالمدينة .
فيقول - بزعمهم - قرآنا لا يهاجمهم فيه ؛ إنما يحدثهم عن التقاء العرب بهم في النسب إلى جدهم إبراهيم ! طمعا في إسلامهم له ! فلما يئس منهم هاجمهم هذا الهجوم . . وكذبوا . فهذه سورة مكية تصف الحق في شأنهم ، لا فرق بين ما جاء فيها وما جاء في سورة البقرة المدنية في هذا الحق الذي لا يتبدل . . وإذا نحن تجاوزنا عن الآيات من 163 إلى 170 في هذه السورة بوصفها مدنية ، وهي التي ورد فيها تأذن اللّه - سبحانه - بأن يرسل عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، فإن الآيات التي قبلها والتي بعدها والتي لا شك في أنها مكية تضمنت الحق في جبلة بني إسرائيل . وفيها ذكر عبادتهم للعجل . . وطلبهم من موسى أن يجعل لهم إلها صنما بينما هم خارجون من مصر باسم اللّه الواحد ! وأخذ الرجفة لهم لأنهم أبوا الإيمان إلا أن يروا اللّه جهرة . وتبديلهم قول اللّه لهم وهم يدخلون القرية . . إلخ مما يدمغ أولئك الزاعمين من المستشرقين بالافتراء على التاريخ بعد الافتراء على اللّه ورسوله . . وهؤلاء هم الذين يتخذهم بعض من يكتبون عن الإسلام أساتذة لهم فيما يكتبون ! وحسبنا هذه المعالم في القصة حتى نواجه نصوصها بالتفصيل .
وإذا كانت القصة بطولها مسوقة في هذه السورة - في استعراض موكب الإيمان - لتدل على خطوات قدر اللّه مع المكذبين ، ولتصور العلاقة بين القيم الإيمانية وسنة اللّه في الحياة البشرية ، فإنها مسوقة كذلك لبيان طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ؛ ممثلتين في شخوص القصة وأطرافها . وقد ختمت بمشهد أخذ الميثاق على بني إسرائيل ، تحت المعاينة الكاملة لبأس اللّه الشديد :
« وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ، وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ .