تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1331

مساهمون:

ص١٣٣١
العالمين لا تحمل إلا مدلولا واحدا هو انتزاع السلطان من يد العبيد - الطواغيت - ورده إلى صاحبه - سبحانه - وهذا معناه - من وجهة نظرهم - الإفساد في الأرض ! أو كما يقال اليوم في قوانين الجاهلية لمثل هذه الدعوة بذاتها : إنها محاولة لقلب نظام الحكم ! ومن وجهة نظر الطواغيت الجاهلية التي تغتصب سلطان اللّه - أي تغتصب ربوبيته وتزاول اختصاصاتها ولو لم تقل هذا باللسان - يكون هذا « قلبا » لنظام الحكم . لأن نظام الحكم في الجاهليات يقوم على ربوبية عبد من العبيد لبقية العبيد . بينما الدعوة إلى رب العالمين تعني أن تكون الربوبية على العبيد لخالق العبيد ! وكذلك قال فرعون للسحرة الذين بهرهم الحق فآمنوا برب العالمين ؛ وخلعوا ربقة العبودية له بهذا الإعلان : إنهم يمكرون لإخراج أهل المدينة من مدينتهم . وهددهم بأبشع العذاب والنكال :
« قالَ فِرْعَوْنُ : آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ! إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ، ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ »
. . ومن الجانب الآخر كان هؤلاء السحرة الذين آمنوا برب العالمين ؛ وأسلموا للّه وحده ؛ وأعلنوا الخروج من العبودية الزائفة للطاغوت المغتصب للربوبية واختصاصاتها . . كانوا يعلمون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت . إنها المعركة على العقيدة . لأن هذه العقيدة تهدد سلطان الطواغيت بمجرد إعلان أصحابها أن عبوديتهم خالصة لرب العالمين . بل بمجرد إعلان أن اللّه رب العالمين ! ومن ثم قالوا لفرعون ردا على اتهامه لهم بأن هذا مكر مكروه في المدينة ليخرجوا منها أهلها - وهو مرادف للاتهام في الجاهليات الحديثة لكل من يعلن ربوبية اللّه للعالمين بمعناها الجاد بأنه يعمل على قلب نظام الحكم ! - :
« وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا »
. . ثم لجئوا إلى ربهم الذي آمنوا به فتمردوا على العبودية لغيره قائلين :
« رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ »
. . فكان هذا فرقانا جعله اللّه في قلوبهم حين استقرت حقيقة الإسلام للّه فيها . * ومن خلال عرض الآيات التي جاء بها موسى لفرعون وملئه ؛ وما أخذهم اللّه به من السنين ونقص الثمرات ، وما أرسله عليهم من الآفات . ومواجهتهم لهذا كله بالعناد والمراوغة والإصرار في النهاية على ما هم فيه حتى أهلكهم اللّه كما يقول تعالى :
« وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا : لَنا هذِهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ - أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ - وَقالُوا : مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ، فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ . وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا : يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ . لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ . فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ - إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ - إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ . فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ »
. . من خلال عرض هذا كله يتبين مدى إصرار الطاغوت على الباطل في وجه الحق . ومدى مقاومته للدعوة إلى
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . ذلك أنه يعلم علم اليقين أن هذه الدعوة بذاتها هي حرب عليه ، بإنكار شرعية قيامه من أساسه ! وما يمكن أن يسمح الطاغوت بإعلان أن لا إله إلا اللّه . أو أن اللّه هو رب العالمين . إلا حين تفقد هذه الكلمات مدلولها الحقيقي ، وتصبح مجرد كلمات لا مدلول لها . . وهي في مثل هذه الحالة لا تؤذيه ! لأنها لا تعنيه ! فأما حين تأخذ عصبة من الناس هذه الكلمات جدا بمدلولها الحقيقي ، فإن الطاغوت الذي يزاول الربوبية - بمزاولته للحاكمية بغير شرع اللّه ، وتعبيد الناس له بهذه الحاكمية وعدم إرسالهم للّه - لا يطيق هذه العصبة . كما لم يطق فرعون دعوة موسى إلى رب العالمين ، وإعلان السحرة المؤمنين أنهم آمنوا برب العالمين . وكما ظل هو والملأ من قومه مصرين على رد هذه الدعوة ، والآيات تتوالى عليهم ،