تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1280

مساهمون:

ص١٢٨٠
وإذن فهو أقدر على فتنتهم بوسائله الخفية ؛ وهم محتاجون إلى شدة الاحتياط ، وإلى مضاعفة اليقظة ، وإلى دوام الحذر ، كيلا يأخذهم على غرة :
« إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ »
. . ثم الإيقاع المؤثر الموحي بالتوقي . . إن اللّه قدر أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون . . ويا ويل من كان عدوه وليه ! إنه إذن يسيطر عليه ويستهويه ويقوده حيث شاء ، بلا عون ولا نصير ، ولا ولاية من اللّه :
« إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ »
. . وإنها لحقيقة . . أن الشيطان ولي الذين لا يؤمنون ؛ كما أن اللّه هو ولي المؤمنين . . وهي حقيقة رهيبة ، ولها نتائجها الخطيرة . . وهي تذكر هكذا مطلقة ؛ ثم يواجه بها المشركون كحالة واقعة ؛ فنرى كيف تكون ولاية الشيطان ؛ وكيف تفعل في تصورات الناس وحياتهم . . وهذا نموذج منها :
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها »
. . وذلك ما كان يفعله ويقول به مشركو العرب ؛ وهم يزاولون فاحشة التعري في الطواف ببيت اللّه الحرام - وفيهم النساء ! - ثم يزعمون أن اللّه أمرهم بها . فقد كان أمر آباءهم بها ففعلوها ، ثم هم ورثوها عن آبائهم ففعلوها ! وهم - على شركهم - لم يكونوا يتبجحون تبجح الجاهليات الحديثة التي تقول : ما للدين وشؤون الحياة ؟ وتزعم أنها هي صاحبة الحق في اتخاذ الأوضاع والشرائع والقيم والموازين والعادات والتقاليد من دون اللّه ! إنما كانوا يفترون الفرية ، ويشرعون الشريعة ، ثم يقولون : اللّه أمرنا بها ! وقد تكون هذه خطة ألأم وأخبث ، لأنها تخدع الذين في قلوبهم بقية من عاطفة دينية ؛ فتوهمهم أن هذه الشريعة من عند اللّه . . ولكنها على كل حال أقل تبجحا ممن يزعم أن له الحق في التشريع للناس بما يراه أصلح لأحوالهم من دون اللّه ! واللّه - سبحانه - يأمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجههم بالتكذيب لهذا الافتراء على اللّه ؛ وبتقرير طبيعة شرع اللّه وكراهته للفاحشة ، فليس من شأنه سبحانه أن يأمر بها :
« قُلْ : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ »
: إن اللّه لا يأمر بالفحشاء إطلاقا - والفاحشة : كل ما يفحش أي يتجاوز الحد - والعري من هذه الفاحشة ، فاللّه لا يأمر به . وكيف يأمر اللّه بالاعتداء على حدوده ؟ والمخالفة عن أمره بالستر والحياء والتقوى ؟ ومن الذي أعلمهم بأمر اللّه ذاك ؟ إن أوامر اللّه وشرائعه ليست بالادعاء . إن أوامره وشرائعه واردة في كتبه على رسله . وليس هناك مصدر آخر يعلم منه قول اللّه وشرعه . وليس لإنسان أن يزعم عن أمر أنه من شريعة اللّه ، إلا أن يستند إلى كتاب اللّه وإلى تبليغ رسول اللّه . فالعلم المستيقن بكلام اللّه هو الذي يستند إليه من يقول في دين اللّه . . وإلا فأي فوضى يمكن أن تكون إذا قدم كل إنسان هواه ، وهو يزعم أنه دين اللّه ! ! إن الجاهلية هي الجاهلية . وهي دائما تحتفظ بخصائصها الأصيلة . وفي كل مرة يرتد الناس إلى الجاهلية يقولون كلاما متشابها ؛ وتسود فيهم تصورات متشابهة ، على تباعد الزمان والمكان . . وفي هذه الجاهلية التي نعيش فيها اليوم لا يفتأ يطلع علينا كاذب مفتر يقول ما يمليه عليه هواه ثم يقول : شريعة اللّه ! ولا يفتأ يطلع علينا متبجح وقح ينكر أوامر الدين ونواهيه المنصوص عليها ، وهو يقول : إن الدين لا يمكن أن يكون كذلك ! إن الدين لا يمكن أن يأمر بهذا ! إن الدين لا يمكن أن ينهى عن ذاك ، . . وحجته هي هواه ! ! !
« أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ »
. .