تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1283

مساهمون:

ص١٢٨٣
ولن يكون الشأن كذلك ، ثم تكون محرمة عليهم ؛ فما يخصهم اللّه في الآخرة بشيء هو حرام !
« كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
. والذين « يعلمون » حقيقة هذا الدين هم الذين ينتفعون بهذا البيان . فأما الذي حرمه اللّه حقا ، فليس هو الزينة المعتدلة من اللباس ، وليس هو الطيب من الطعام والشراب - في غير سرف ولا مخيلة - إنما الذي حرمه اللّه حقا هو الذي يزاولونه فعلا !
« قُلْ : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ - ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ - وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. . هذا هو الذي حرمه اللّه . الفواحش من الأعمال المتجاوزة لحدود اللّه . ظاهرة للناس أو خافية . والإثم . وهو كل معصية للّه على وجه الإجمال . والبغي بغير الحق . وهو الظلم الذي يخالف الحق والعدل - كما بينهما اللّه أيضا - وإشراك ما لم يجعل اللّه به قوة ولا سلطانا مع اللّه - سبحانه - في خصائصه . ومنه هذا الذي كان واقعا في الجاهلية ، وهو الواقع في كل جاهلية . من إشراك غير اللّه ليشرع للناس ؛ ويزاول خصائص الألوهية . وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون . كالذي كانوا يقولونه من التحليل والتحريم . ومن نسبتهم هذا إلى أمر اللّه بغير علم ولا يقين . . ومن عجيب ما روي من حال المشركين الذين خوطبوا بهذه الآيات أول مرة ؛ ووجه إليهم هذا الاستنكار الوارد في قوله تعالى :
« قُلْ : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ . . »
ما رواه الكلبي قال : « لما لبس المسلمون الثياب ، وطافوا بالبيت عيرهم المشركون بها . . فنزلت الآية . . » فانظر كيف تصنع الجاهلية بأهلها ! ناس يطوفون ببيت اللّه عرايا ؛ فسدت فطرتهم وانحرفت عن الفطرة السليمة التي يحكيها القرآن الكريم عن آدم وحواء في الجنة :
« فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ »
. . فإذا رأوا المسلمين يطوفون بالبيت مكسوين ، في زينة اللّه التي أنعم بها على البشر ؛ لإرادته بهم الكرامة والستر ؛ ولتنمو فيهم خصائص فطرتهم الإنسانية في سلامتها وجمالها الفطري ، وليتميزوا عن العري الحيواني . . الجسمي والنفسي . . إذا رأوا المسلمين يطوفون ببيت اللّه في زينة اللّه وفق فطرة اللّه « عيروهم » ! إنه هكذا تصنع الجاهلية بالناس . . هكذا تمسخ فطرهم وأذواقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ! وما ذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس في هذا الأمر غير الذي فعلته بالناس في جاهلية المشركين العرب ؟ وجاهلية المشركين الإغريق ؟ وجاهلية المشركين الرومان ؟ وجاهلية المشركين الفرس ؟ وجاهلية المشركين في كل زمان وكل مكان ؟ ! ما ذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس إلا أن تعريهم من اللباس ، وتعريهم من التقوى والحياء ؟ ثم تدعو هذا رقيا وحضارة وتجديدا ؛ ثم تعير الكاسيات من الحرائر العفيفات المسلمات ، بأنهن « رجعيات » . « تقليديات » . « ريفيات » ! المسخ هو المسخ . والانتكاس عن الفطرة هو الانتكاس . وانقلاب الموازين هو انقلاب الموازين . والتبجح بعد ذلك هو التبجح . .
« أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ! »
. وما الفرق كذلك في علاقة هذا العري ، وهذا الانتكاس ، وهذه البهيمية ، وهذا التبجح ، بالشرك ، وبالأرباب التي تشرع للناس من دون اللّه ؟