تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1282

مساهمون:

ص١٢٨٢
إنه التوكيد بعد التوكيد على الحقائق الأساسية للعقيدة ، في مواجهة ما عليه المشركون العرب في الجاهلية ؛ وذلك في سياق النداء إلى بني آدم كافة ، وفي مواجهة قصة البشرية الكبرى . . وأظهر هذه الحقائق هو الربط بين ما يحرمونه من الطيبات التي أخرجها اللّه لعباده دون إذن منه ولا شرع ؛ وبين الشرك الذي هو الوصف المباشر لمن يزاول هذا التحريم ، ويقول على اللّه ما لا يعلم ، ويزعم من ذلك ما يزعم . إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله اللّه عليهم . وهو الرياش . عند كل عبادة ؛ ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا ، ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه اللّه ، بل أنعم به على العباد . فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم ، لا بخلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه :
« يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ »
. . ويناديهم كذلك ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف :
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
. وقد ورد أنه كان هناك تحريم في الطعام كالتحريم في الثياب . وكان هذا من مبتدعات قريش كذلك ! في صحيح مسلم عن هشام عن عروة عن أبيه قال : « كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت . كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا ، فيعطي الرجال الرجال ، والنساء النساء . وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة ؛ وكان الناس يبلغون عرفات . ويقولون : نحن أهل الحرم ، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا . فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ، ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عريانا وإما أن يطوف في ثيابه ، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه فلم يمسه أحد . وكان ذلك الثوب يسمى اللقى » . . وجاء في تفسير القرطبي المسمى « أحكام القرآن » : « وقيل إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم ، ويكتفون باليسير من الطعام ، ويطوفون عراة . فقيل لهم :
« خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ، وَلا تُسْرِفُوا »
أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم » . . والإسراف يكون بتجاوز الحد ، كما قد يكون بتحريم الحلال . كلاهما تجاوز للحد . هذا باعتبار ، وذاك باعتبار . ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد ، وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب . بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها اللّه لعباده ، وتحريم الطيبات من الرزق . فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه اللّه للناس من الزينة أو من الطيبات . فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من اللّه :
« قُلْ : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »
؟ ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس ، وهذه الطيبات من الرزق ، هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا ، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا :
« قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 1282 | سيد قطب