تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1281

مساهمون:

ص١٢٨١
وبعد أن ينكر عليهم دعواهم في أن اللّه أمرهم بهذه الفاحشة ، يبين لهم أن أمر اللّه يجري في اتجاه مضاد . . لقد أمر اللّه بالعدل والاعتدال في الأمور كلها لا بالفحش والتجاوز . وأمر بالاستقامة على منهج اللّه في العبادة والشعائر ، والاستمداد مما جاء في كتابه على رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يجعل المسألة فوضى ، يقول فيها كل إنسان بهواه ، ثم يزعم أنه من اللّه . وأمر بأن تكون الدينونة خالصة له ، والعبودية كاملة ؛ فلا يدين أحد لأحد لذاته ولا يخضع أحد لأمر أحد لذاته :
« قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ، وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »
. . هذا ما أمر اللّه به ، وهو يضاد ما هم عليه . . يضاد اتباعهم لآبائهم وللشرائع التي وضعها لهم عباد مثلهم ، مع دعواهم أن اللّه أمرهم بها . . ويضاد العري والتكشف وقد امتن اللّه على بني آدم بأنه أنزل عليهم لباسا يواري سوآتهم وريشا يتجملون به كذلك . . ويضاد هذا الشرك الذي يزاولونه ، بازدواج مصادر التشريع لحياتهم ولعبادتهم . . وعند هذا المقطع من البيان يجيء التذكير والإنذار ؛ ويلوّح لهم بالمعاد إلى اللّه بعد انتهاء ما هم فيه من أجل مرسوم للابتلاء ؛ وبمشهدهم في العودة وهم فريقان : الفريق الذي اتبع أمر اللّه ، والفريق الذي اتبع أمر الشيطان :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ، إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »
. . إنها لقطة واحدة عجيبة تجمع نقطة البدء في الرحلة الكبرى ونقطة النهاية . نقطة الانطلاق في البدء ونقطة المآب في الانتهاء :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »
. . وقد بدءوا الرحلة فريقين : آدم وزوجه . والشيطان وقبيله . . وكذلك سيعودون . . الطائعون سيعودون فريقا مع أبيهم آدم وأمهم حواء المسلمين المؤمنين باللّه المتبعين لأمر اللّه . . والعصاة سيعودون مع إبليس وقبيله ، يملأ اللّه منهم جهنم ، بولائهم لإبليس وولايته لهم . وهم يحسبون أنهم مهتدون . لقد هدى اللّه من جعل ولايته للّه . وأضل من جعل ولايته للشيطان . . وها هم أولاء عائدين فريقين :
« فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »
. ها هم أولاء عائدين . في لمحة تضم طرفي الرحلة ! على طريقة القرآن ، التي يتعذر أن تتحقق في غير أسلوب القرآن ! ثم يتكرر النداء إلى « بني آدم » في هذه الوقفة كذلك ؛ قبل أن يتابع السياق الرحلة المديدة ؛ في الطريق المرسوم :
« يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . قُلْ : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ . كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . قُلْ : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ؛ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 1281 | سيد قطب