وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية . وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلا في صور وأشكال شتى . .
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيها إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصا إلا لأن له موقعا في واقع الحركة الإسلامية . . إنه كما قلنا لا يعرض قصصا لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري . .
إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته ، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية .
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى . .
كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقا على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت اللّه - الذي جعلوه بيتا للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين اللّه ؛ وصاغتها في شرائع ، زعمت أنها من شرع اللّه ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب . . وكانت قريش سمت نفسها اسما خاصا وهو « الحمس » وجعلوا لأنفسهم حقوقا ليست لسائر العرب . ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم . فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل . فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثيابا لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء ! قال ابن كثير في التفسير : ( كانت العرب - ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم .
ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه . ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوبا جديدا ، ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر . . وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل . وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم ، واتبعوا فيه آباءهم ، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرع ؛ فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك فقال :
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها »
. . فقال تعالى ردا عليهم : « قل » .
أي يا محمد لمن ادعى ذلك .
« إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ »
أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة ، واللّه لا يأمر بمثل ذلك .
« أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. . أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته .
وقوله تعالى :
« قُلْ : أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ »
. . أي بالعدل . والاستقامة :
« وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »
. . أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها ، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن اللّه ، وما جاءوا به من الشرائع ، وبالإخلاص له في عبادته . فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين : ( أي أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، وأن يكون خالصا من الشرك ) .
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافا إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع اللّه وليست من شرع اللّه - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى . وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم اللّه - وجاء ذكر اللباس خاصة ، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت ، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة . .
فما ذكر من أحداث القصة ، وما جاء في التعقيب الأول عليها ، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية . .