والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن ، في سور أخرى ، لمواجهة حالات أخرى ، فتذكر منها مواقف ومشاهد ، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى . . وكله حق . . ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق . بين حلقات القصص المعروض في كل معرض ، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض « 1 » .
« يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً . وَلِباسُ التَّقْوى ، ذلِكَ خَيْرٌ ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ »
. .
هذا النداء يجيء في ظل المشهد الذي سبق عرضه من القصة . . مشهد العري وتكشف السوآت والخصف من ورق الجنة . . لقد كان هذا ثمرة للخطيئة . . والخطيئة كانت في معصية أمر اللّه ، وتناول المحظور الذي نهى عنه اللّه . . وليست هي الخطيئة التي تتحدث عنها أساطير ( الكتاب المقدس ! ) والتي تعج بها التصورات الفنية الغربية المستقاة من تلك الأساطير ومن إيحاءات « فرويد » المسمومة . . لم تكن هي الأكل من « شجرة المعرفة » - كما تقول أساطير العهد القديم . وغيرة اللّه - سبحانه وتعالى - من « الإنسان » وخوفه - تعالى عن وصفهم علوا كبيرا - من أن يأكل من شجرة الحياة أيضا فيصبح كواحد من الآلهة ! كما تزعم تلك الأساطير « 2 » .
ولم تكن كذلك هي المباشرة الجنسية كما تطوف خيالات الفن الأوروبي دائما حول مستنقع الوحل الجنسي ، لتفسر به كل نشاط الحياة كما علمهم فرويد اليهودي ! . .
وفي مواجهة مشهد العري الذي أعقب الخطيئة ومواجهة العري الذي كان يزاوله المشركون في الجاهلية يذكر السياق في هذا النداء نعمة اللّه على البشر وقد علمهم ويسر لهم ، وشرع لهم كذلك ، اللباس الذي يستر العورات المكشوفة ، ثم يكون زينة - بهذا الستر - وجمالا ، بدل قبح العري وشناعته - ولذلك يقول :
« أنزلنا » أي : شرعنا لكم في التنزيل . واللباس قد يطلق على ما يواري السوأة وهو اللباس الداخلي . والرياش قد يطلق على ما يستر الجسم كله ويتجمل به ، وهو ظاهر الثياب . كما قد يطلق الرياش على العيش الرغد والنعمة والمال . . وهي كلها معان متداخلة ومتلازمة :
« يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً »
. .
كذلك يذكر هنا « لباس التقوى » ويصفه بأنه « خير » :
« وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ . ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ . »
. .
قال عبد الرحمن بن أسلم : ( يتقي اللّه فيواري عورته ، فذاك لباس التقوى ) . .
فهناك تلازم بين شرع اللّه اللباس لستر العورات والزينة ، وبين التقوى . . كلاهما لباس . هذا يستر عورات القلب ويزينه . وذاك يستر عورات الجسم ويزينه . وهما متلازمان . فعن شعور التقوى للّه والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه . ومن لا يستحي من اللّه ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري . . العري من الحياء والتقوى ، والعري من اللباس وكشف السوأة ! إن ستر الجسد حياء ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي - كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهم
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « القصة في القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . . « دار الشروق » .
( 2 ) يراجع فصل : « تيه وركام » في القسم الأول من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » .