تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
هذه هي القيم ، وهذا هو مجال الطمع ! ومجال الاختيار . وهذا هو ميدان الكسب والخسارة . وشتان بين من يتبع رضوان اللّه فيفوز به ، ومن يعود وفي وطابه سخط اللّه ! يذهب به إلى جهنم . . وبئس المصير ! 163 - هذه درجة وهذه درجة . . وشتان شتان :
« هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ »
. . وكل ينال درجته باستحقاق ، فلا ظلم ولا إجحاف ، ولا محاباة ولا جزاف !
« وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
. . 164 - ثم يختم الفقرة بالرجوع إلى محورها الأصيل : شخص الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ورسالته وعظم المنة بها على المؤمنين .
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ، وَيُزَكِّيهِمْ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. . إن ختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة . حقيقة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقيمتها الذاتية ، وعظم المنة الإلهية بها ، ودورها في إنشاء هذه الأمة وتعليمها وتربيتها وقيادتها ، ونقلها من الضلال المبين إلى العلم والحكمة والطهارة . . إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة : إنها تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول ، والانشغال بهذا الأمر الصغير ، الذي كان الانشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة ، وبدل النصر هزيمة ، وفعل بالمسلمين الأفاعيل . . فالإشارة إلى حقيقة الرسالة الكبيرة ، والمنة العظيمة المتمثلة فيها ، لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية الفريدة . تبدو في ظلها غنائم الأرض كلها ، وأسلاب الأرض كلها ، وأعراض الأرض كلها ، شيئا تافها زهيدا ، لا يذكر ولا يقدر . شيئا تخجل النفس المؤمنة أن تذكره ، بل تستحي أن تفكر فيه ! فضلا عن أن تشغل به ! وهي تجيء في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة . . فالإشارة إلى تلك الحقيقة الكبيرة ، وما تمثله من منة عظيمة ، لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية العجيبة ، تصغر في ظلها الآلام والخسائر ، وتصغر إلى جانبها الجراح والتضحيات . على حين تعظم المنة ، ويتجلى العطاء الذي يرجح كل شيء في حياة الأمة المسلمة على الإطلاق . ثم . . الإشارة إلى آثار هذه المنة في حياة الأمة المسلمة
« يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. . وهي تشي بالنقلة من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، ومن عهد إلى عهد . فتشعر الأمة المسلمة بما وراء هذه النقلة من قدر اللّه الذي يريد بهذه الأمة أمرا ضخما في تاريخ الأرض ، وفي حياة البشر ، والذي يعدها لهذا الأمر الضخم بإرسال الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فما ينبغي لأمة هذا شأنها ، أن تشغل بالها بالغنائم التي تبدو تافهة زهيدة في ظل هذا الهدف الضخم ، ولا أن تجزع من التضحيات والآلام ، التي تبدو هينة يسيرة في ظل هذه الغاية الكبيرة . . هذه بعض اللمسات المستفادة من ذكر هذه المنة في هذا السياق . نذكرها باختصار وإجمال ، لنواجه النص القرآني الحافل بالإيحاءات والظلال :
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
. . إنها المنة العظمى أن يبعث اللّه فيهم رسولا ، وأن يكون هذا الرسول
« مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
. . إن العناية من اللّه