تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
تفتدى بصداقها ، أو تموت فيذهب بمالها » . . وقال عطاء بن رباح : « إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل ، فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم » . . وقال السدّي : إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه ، فإذا مات وترك امرأته ، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه ، أو ينكحها فيأخذ مهرها . وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها » « 1 » . وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل ، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها ، يؤخذ مما تؤتى من مهر ، وتمسك ضرارا للاعتداء « 2 » . وتلاقي من بعلها نشوزا أو إعراضا ، وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة « 3 » . ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث « 4 » . وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من غير تحديد « 5 » . « وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد . ذكر الهيثم بن عدي - على ما حكاه عنه الميداني - أن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة ، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة . فجاء الإسلام ، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد . فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن . ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء . أو شيماء ( سوداء ) أو برشاء ( برصاء ) أو كسحاء ( عرجاء ) تشاؤما منهم بهذه الصفات . ومنهم كان يقتل أولاده خشية الإنفاق ، وخوف الفقر . . « وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان ، فقد يتأخر وأد الموؤودة لسفر الوالد وشغله ، فلا يئدها إلا وقد كبرت ، وصارت تعقل . وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات . وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق » « 6 » . . ومن أرجاسها - وأصل هذه الأرجاس جميعا - الشرك والوثنية الهابطة الساذجة : كما يصورها في إجمال الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه : « انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها . فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة ، صنم خاص ، بل كان لكل بيت صنم خصوصي . قال الكلبي : كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه ، فإذا أراد أحدهم السفر ، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به ، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضا » « 7 » . واستهترت العرب في عبادة الأصنام ، فمنهم من اتخذ بيتا ، ومنهم من اتخذ صنما ؛ ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم ، وأمام غيره مما استحسن ، ثم طاف به كطوافه بالبيت ، وسموها الأنصاب « 8 » . وكان في جوف الكعبة - البيت الذي بني لعبادة اللّه وحده - وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنما « 9 » . وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة . روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي ، قال : كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجرا هو خيرا منه ألقيناه وأخذنا الآخر ؛ فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به « 10 » . وقال الكلبي : كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا ، أخذ أربعة أحجار ، فنظر إلى أحسنها ، فاتخذه ربا ، وجعل ثلاث أثافيّ لقدره ، وإذا
هامش
( 1 ) تفسير الطبري جزء 4 ص 308 . ( 2 ) سورة البقرة : 231 . ( 3 ) سورة النساء : 139 . ( 4 ) سورة الأنعام : 140 . ( 5 ) سورة النساء : 3 . ( 6 ) بلوغ الأرب في أحوال العرب . ( 7 ) كتاب الأصنام . ( 8 ) المصدر السابق . ( 9 ) الجامع الصحيح للبخاري . ( 10 ) المصدر السابق .
في ظلال القرآن — صفحة 509 | سيد قطب