« يا أيها الناس . من عمل لنا منكم عملا ، فكتمنا منه مخيطا « 1 » فما فوقه ، فهو غل يأتي به يوم القيامة » . . قال :
فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجاهد : هو سعد بن عبادة كأني انظر إليه - فقال : يا رسول اللّه ، اقبل مني عملك . قال : « وما ذاك ؟ » قال : سمعتك تقول : كذا وكذا . قال : « وأنا أقول ذلك الآن .
من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره . فما أوتي منه أخذه ؛ وما نهي عنه انتهى » . . ( ورواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي رافع ) . .
وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة ؛ حتى أتت بالعجب العجاب ؛ وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره ، كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية . وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة ، لا يراه أحد ، فيأتي به إلى أميره ، لا تحدثه نفسه بشيء منه ، خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب ، وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة ! فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا . وكانت الآخرة في حسه واقعا ، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه ، فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها . وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه . فالآخرة كانت حقيقة يعيشها ، لا وعدا بعيدا ! وكان على يقين لا يخالجه الشك من أن كل نفس ستوفى ما كسبت ، وهم لا يظلمون . .
روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال : لما هبط المسلمون المدائن ، وجمعوا الأقباض ، أقبل رجل بحق معه ، فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه .
فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما واللّه لولا اللّه ما أتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا . فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا واللّه لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ! ولكني أحمد اللّه وأرضى بثوابه .
فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا عامر بن عبد قيس « 2 » . .
وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي اللّه عنه - بعد القادسية ، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن . .
فنظر - رضي اللّه عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال : « إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء » . .
وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير .
162 - ثم يستطرد السياق - في معرض الحديث عن الغنائم والغلول - يوازن بين القيم . . القيم الحقيقية التي يليق أن يلتفت إليها القلب المؤمن ، وأن يشغل بها :
« أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ؟ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
. .
إنها النقلة التي تصغر في ظلها الغنائم ، ويصغر في ظلها التكفير في هذه الأعراض . وهي لمسة من لمسات المنهج القرآني العجيب في تربية القلوب ، ورفع اهتماماتها ، وتوسيع آفاقها وشغلها بالسباق الحقيقي في الميدان الأصيل .
« أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
. .
هامش
( 1 ) يعني إبرة خياطة .
( 2 ) تاريخ الطبري جزء 4 ص 16 .