تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ودخل بيته فلبس درعه ولأمته - وهو يعلم إلى أين هو ماض ، وما الذي ينتظره وينتظر الصحابة معه من آلام وتضحيات . . وحتى حين أتيحت فرصة أخرى بتردد المتحمسين ، وخوفهم من أن يكونوا استكرهوه - صلى اللّه عليه وسلم - على ما لا يريد ، وتركهم الأمر له ليخرج أو يبقى . . حتى حين أتيحت هذه الفرصة لم ينتهزها ليرجع . لأنه أراد أن يعلمهم الدرس كله . درس الشورى . ثم العزم والمضي . مع التوكل على اللّه والاستسلام لقدره . وأن يعلمهم أن للشورى وقتها ، ولا مجال بعدها للتردد والتأرجح ومعاودة تقليب الرأي من جديد . فهذا مآلة الشلل والسلبية والتأرجح الذي لا ينتهي . . إنما هو رأي وشورى . وعزم ومضاء . وتوكل على اللّه ، يحبه اللّه :
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ »
. . والخلة التي يحبها اللّه ويحب أهلها هي الخلة التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمنون . بل هي التي تميز المؤمنين . . والتوكل على اللّه ، ورد الأمر إليه في النهاية ، هو خط التوازن الأخير في التصور الإسلامي وفي الحياة الإسلامية . وهو التعامل مع الحقيقة الكبيرة : حقيقة أن مرد الأمر كله للّه ، وأن اللّه فعال لما يريد . . لقد كان هذا درسا من دروس « أحد » الكبار . هو رصيد الأمة المسلمة في أجيالها كلها ، وليس رصيد جيل بعينه في زمن من الأزمان . . 160 - ولتقرير حقيقة التوكل على اللّه ، وإقامتها على أصولها الثابتة ، يمضي السياق فيقرر أن القوة الفاعلة في النصر والخذلان هي قوة اللّه ، فعندها يلتمس النصر ، ومنها تتقى الهزيمة ، وإليها يكون التوجه ، وعليها يكون التوكل ، بعد اتخاذ العدة ، ونفض الأيدي من العواقب ، وتعليقها بقدر اللّه :
« إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ؟ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. . إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن المطلق بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر اللّه - سبحانه - وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله . . إن سنة اللّه تجري بترتيب النتائج على الأسباب . ولكن الأسباب ليست هي التي « تنشئ » النتائج . فالفاعل المؤثر هو اللّه . واللّه يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته . . ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه ، وأن يبذل جهده ، وأن يفي بالتزاماته . وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب اللّه النتائج ويحققها . . وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة اللّه وقدره . هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء ، وكيفما يشاء . . وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله . فهو يعمل ويبذل ما في طوقه ؛ وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر اللّه ومشيئته . ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب . فهو لا يحتم أمرا بعينه على اللّه ! وهنا في قضية النصر والخذلان ، بوصفهما نتيجتين للمعركة - أية معركة - يرد المسلمين إلى قدر اللّه ومشيئته ؛ ويعلقهم بإرادة اللّه وقدرته : إن ينصرهم اللّه فلا غالب لهم . وإن يخذلهم فلا ناصر لهم من بعده . . وهي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود . حيث لا قوة إلا قوة اللّه ، ولا قدرة إلا قدرته ، ولا مشيئة إلا مشيئته . وعنها تصدر الأشياء والأحداث . . ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج ، وطاعة التوجيه ، والنهوض بالتكاليف ، وبذل الجهد ، والتوكل بعد هذا كله على اللّه :
« وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. . وبذلك يخلص تصور المسلم من التماس شيء من عند غير اللّه ؛ ويتصل قلبه مباشرة بالقوة الفاعلة في هذا الوجود ؛ فينفض يده من كل الأشباح الزائفة والأسباب الباطلة للنصرة والحماية والالتجاء ؛ ويتوكل على اللّه وحده